تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مبحث عن القوى النفسانية أو كتاب في النفس على سنة الإختصار ( ويليه الطير وأسباب حدوث الحروف والحكومة والحدود وقصة سلامان وأبسال ) — صفحة أسباب حدوث الحروف 46

مساهمون:

صأسباب حدوث الحروف ٤٦
المحافل أدنى حشمة من النّاس يدّعي انّه انما ينقبض عن المحافل والمعاشرات حذرا ان يستخدمه الملك . بل نحن انما نعترف بالعجز والقصور ، ونستعفى عمّا سألوه بقصورنا عن ايفاء الرّسوم حقّها ، والحدود غير الحقيقيّة حقّها ، وأمن الخطأ فيها . فأمّا الحدود الحقيقيّة ، فانّ الواجب فيها بحسب ما عرفناه من صناعة المنطق أن تكون دالّة على ماهيّة الشّيء ، وهو كمال وجوده الذّاتي ، حتى لا يشذّ من المحمولات الذاتيّة شيء إلّا وهو مضمّن فيه ، اما بالفعل ، وامّا بالقوّة . والذي بالقوّة ان يكون كلّ واحد من الالفاظ المفردة التي فيها إذا تحصّلت وحلّلت إلى اجزاء حدّه ، وكذلك فعل بأجزاء حدّه ، انحلّ آخر الامر إلى اجزاء ليس غيرها ذاتيا فان الحدّ إذا كان كذلك ، كان مساويا المحدود بالحقيقة إذا كان مساويا له في المعنى كما هو مساو له في العموم ؛ لا كما يقال : « الحسّاس والحيوان » . إذ الحسّاس منهما مساو للآخر في العموم ؛ وليس مساويا له في المعنى ؛ لانّ المراد بلفظ الحسّاس شيء ذو حسّ فقط ، وبالحيوان أشياء أخرى مع هذا الشّيء ، مثلا : جسم ذو نفس له تغذ ، وهو حساس ، متحرّك بالإرادة فالحيوان أكبر من الحسّاس في المعنى ، وإن كان مساويا في العموم . والحكماء انّما يقصدون في التّحديد ، لا التّمييز ، الذاتيّ ؛ فانّه ربّما حصل من جنس عال وفصل سافل ؛ كقولنا : « الانسان جوهر ناطق مائت » . لذلك يريدون من التحديد ان ترتسم في النّفس صورة معقولة مساوية للصّورة الموجودة ؛ فكما أن الصورة الموجودة هي ما هي بكمال أوصافها الذاتيّة ، فكذلك الحدّ انّما يكون حدّا للشيء إذا تضمّن جميع الأوصاف الذاتيّة بالقوّة أو بالفعل . فإذا فعلوا هذا ، تبعه التمييز . وطالب التحديد للتمييز كطالب معرفة شيء لأجل شيء آخر [ ص : 23 ب ] . لهذا ، اشترط في التّحديد وضع الجنس الأقرب ليتضمّن جميع الذّاتيّات المشترك فيها ، ثم أمر باتباعه جميع الفصول ، وإن كانت بواحد منها كفاية في التّمييز حتى قيل : لا يقتصر في التّحديد على الفصل الصوريّ دون الهيولاني ولا الهيولاني دون