لأوقات ذلك العالم يفنى كما يلاصقه وجود هذا العالم . ومعلوم بحسب المشهور أنّه لا يمكن أن يكون العالم الأوّل يخلق عند خلق العالم الذي وصفنا خلقه في واسطة أوقاته ، ثم يكون بينه وبين خلق هذا العالم ما بينه وبينه لو لم يخلق مع خلق العالم المخلوق مع وسط أوقاته ، بل يكون بينهما من الأوقات أقلّ ، فيلزم من هذا أنّه في حال العدم يتميّز إمكان خلق عالم بصفة العالم الذي فرضنا خلقه أوّلا ، ويتميّز إمكان خلق عالم بصفة العالم الذي فرضنا خلقه وسطا . فيكون في العدم تقدّم وتأخّر ، ويكون الحال لكلّ متقدّم يفرض مبداء كالحال للوقت الأوّل الذي خلق فيه هذا العالم . فيلزم أن يكون في حال العدم قبل إمكان خلق العالم بمدّة محدودة وينتهى به إلى ابتداء خلق هذا العالم إمكان آخر وكذلك إلى غير نهاية .
فيكون في حال العدم إمكانات خلق عوالم متقدّمة بعضها على بعض في التقدير فيكون التقدّم والتأخّر في إمكاناتها موجودة ، وإن كان وجوداتها غير حاصلة بل معدومة ، ويرتسم في حال العدم في هذا العالم أمر قبل أمر بلا نهاية . وإذا كان كذلك فمعنى غير المتناهى في الماضي جايز . والقياس الذي قيس فقيل : إنّ ما انتهى إلينا فمعناه إذا اخذ كاذب بل يجب أن يقال إنّه متناه إلينا والخلف الذي أنتج أنّ بعض ما لا نهاية له ليس بخلف وانّما يكون خلفا لو كان بعض ما لا نهاية له متناهيا من الجهة التي هو بها غير متناه . ولكنّه إذا كان غير متناه في الجهة التي لا تلينا ومتناهيا في الجهة التي تلينا لم يكن متناقضا ولا كان استحالته بيّنة ، ولكن متوقّفة على الحجّة . والحجّة ما ذكرناه وهي فاسدة . والبراهين الضروريّة توجب امتناع التناهي في جانبي الماضي والمستقبل ، إذ لا نهاية لوجود الحقّ الأوّل من الجانبين اللذين لا يلياننا ، فانّهما ، أعنى اللذين يلياننا ، متناهيين . فإذا بلغنا هذا المبلغ فلنختم المقالة .
مبحث عن القوى النفسانية أو كتاب في النفس على سنة الإختصار ( ويليه الطير وأسباب حدوث الحروف والحكومة والحدود وقصة سلامان وأبسال ) — صفحة ما تقرر من الحكومة 113
مساهمون: أبو علي سينا
صما تقرر من الحكومة ١١٣