تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
توفيق ، وبما بدا من التصادم بين القديم والحديث ، وبسبب الدسائس السياسية وتدخل الأجانب . كل ذلك هيأ الوسائل لمواهب رجل أوتي حظاً عظيماً من سمو النفس ، ومتانة الخلق ، وتوقّد الذكاء ، وقوة الذاكرة ، ودقة الملاحظة ، إلى علم غزير ونشاط لا يكلّ ، وشجاعة لا تعرف الخوف ، وبلاغة في الكتابة والخطاب خارقة للعادة ، مع نفوذ ساحر ، وسمت مهيب جليل . جذبت إلى السيد مزاياه الباهرة قلوب كثير من الأمراء ، وأرباب المقامات العالية ، وأهل العلم والأدب ، فكانوا يوافونه في القهوات والمنتزهات العامة ، حيث كان سامره مجلس علم وحكمة وأدب وسياسة . والتفّ حوله أذكياء الطلاب ومن بينهم عدد من خيرة مجاوري الأزهر ، فكان يلقي عليهم دروساً في الأدب والمنطق والتوحيد والفلسفة وعلم التصوف وأصول الفقه والفلك ، في مسامرات خالية التكاليف والقيود . وكانت مدرسته بيته ، ولم يذهب إلى الأزهر قط مدرساً ، وانّما كان يذهب اليه زائراً ، وأكثر ما كان يزوره في يوم الجمعة . وكان يحمل تلاميذه على العمل في الكتابة ، وإنشاء الفصول الأدبية والاجتماعية والسياسية ، فاشتغلوا على نظره ، وبرعوا بين يديه . وكانوا طليعة النهضة الأدبية في مصر ، وكانوا مؤسسي بنيانها . وانتظم السيد في الماسونية وتقدم في درجاته ، ثم أنشأ محفلًا وطنياً جمع فيه نبهاء طلابه ومريديه ، حتى صار عدد أعضائه نحو 300 ، وكان هو رئيسه يمرّن فيه تلاميذه على الخطابة ، ويلهمهم مبادئه ويعدهم للعمل ، ويوقظ فيهم عواطف الوطنية ، ويعلّمهم الشغف بحياة الحرية وبالنظم الدستورية . وقد هيأ من تلاميذه طبقة ذات حرية وجرأة في السياسة والأدب والاصلاح ، وأخذ يتوسل بالحركات السياسية . وكان الرجل سياسياً يعتبره أشياعه وطنياً وعظيماً ، ويعتبره خصومه مهيجاً خطراً !