إلّا بروح ، وروح هذا الجسم إمّا النبوة وإمّا الحكمة .
هنالك راح شيخ الاسلام يقيم من الحق باطلًا ليصيب غرضه من الانتقام ، فأشاع أنّ جمالالدين يزعم أنّ النبوة صنعة محتجاً بأنّه ذكرها في خطاب يتعلق بالصناعات ! ثم أوعز إلى الوعّاظ في المساجد أن يذكروا ذلك محفوفاً بالتفنيد والتبديد ، وأكثرت الجرائد من الخوض في المسألة ، وانقسم الناس فيها شيعاً .
وأشار بعض أصحاب السيد عليه بأن يغضي على الكريهة ويلزم السكون ، والزمن كفيل باضمحلال هذه الإشاعة وتلاشي ، اثرها ، لكن جمالالدين كان عصبياً دموياً ، في مزاجه حدّة ، فلجّ في مخاصمة شيخ الاسلام وطلب محاكمته ، حتى صدرالأمر اليه بالجلاء عن الآستانة ريثما تسكن الخواطر ، وحمله بعض من كان معه على أن يهبط مصر ، فجاءها أول سنة 1288 ه . 1871 م ، وكان ذلك في زمن « إسماعيل » واستمالته مساعي « رياض باشا » للمقام حيث لم يكن ينويه ، وأجرت عليه الحكومة المصرية راتباً سنوياً مقداره 120 جنيهاً نزلًا أكرمته به لا في مقابلة عمل .
استقر قرار الرجل في وادي النيل بعد أسفار بعيدة ، ومشاغل عديدة ، في حياة الميادين والكفاح .
ولم تكن كل هذه الشواغل لتعوق جمالالدين عن متابعة الدراسة العلمية العالية التي كان له إليها نزوع شديد . ولقد كان ينتقل في البلاد مصحوباً بكتبه ، وكان قارئاً نهماً لا يشبع ، عرف في شبابه كل المؤلفات القديمة في الفارسية والعربية ، ولم يكن يجهل أي كتاب من الكتب الحديثة ترجم إلى لغة شرقية .
لم يكن جمالالدين ذا لهو ولاشهوانياً ، وكان قليل الطعام يتبلّغ منه بوجبة النهار ، ويكتفي بمنقوع الشاي يشربه مراراً ، وكان مغرماً بتدخين السيجار ، ولم يكن لخلابة النساء وسحرهنّ سلطان على قلبه الحديدي .
شهد في مصر أواخر عهد « إسماعيل » وأوائل عهد « توفيق » إذ كانت تتمخض البلاد عن أزمات اقتصادية واجتماعية وفكرية وسياسية ، بسبب إسراف إسماعيل وضعف
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 80
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٨٠