وكان ذلك في أواخر سنة 1883 لأنّ الشيخ عبده سافر إلى سوريا منفياً في أواخر سنة 1882 ، وبعد نحوعام من مقامه هناك دعاه إلى باريس فسافر إليها .
وكان السيد جمالالدين في باريس منذ أول سنة 1883 ولقي الفيلسوف « رينان » في ذلك العهد ، كما يقول رينان نفسه في ردّه على السيد جمالالدين المكتوب في 18 مايوسنة 1883 : « لقد تعرّفت بالشيخ جمالالدين منذ نحوشهرين ، فوقع في نفسي منه مالم يقع لي إلَّا من القليلين ، وأثر فيَّ تأثيراً قوياً ، وجرى بيننا حديث عقدت من أجله النية على أن تكون علاقة العلم بالاسلام موضوع محاضراتي في « السربون » . والشيخ جمالالدين رجل أفغاني لا سلطان عليه لمؤثرات الاسلام ، وهوينتمي إلى ذلك الجنس القوي المستوطن إيران العليا الواقعة على حدود الهند ، والتي لا يزال الذهن الأري يعيش فيها مطوياً في غلالة رقيقة من الاسلام الرسمي . والشيخ جمالالدين نفسه خير دليل يمكن أن نسوقه على تلك النظرية القائلة بأنّ قيمة الأديان بقيمة الأجناس التي تعتنقها ! وقد خيّل إلي من حرية فكره ونبالة شيمه وصراحته وأنا أتحدّث إليه أنني أرى وجهاً لوجه أحد ممّن عرفتهم من القدماء ، وأنني أشهد « ابن سينا » أو « ابن رشد » أو أحد أولئك الملحدين العظام الدين ظلّوا خمسة قرون يعملون على تحرير الانسانية من الإسار » .
ألقى « رينان » محاضرته في الاسلام والعلم في مارس 1883 ونشرت عقب إلقائها في جريدة « الديبا » فأرسل السيد جمالالدين إلى مدير هذه الجريدة رداً بالعربية ترجم إلى الفرنسية ونشر بعد بضعة إسابيع ، وعقب عليه « رينان » برد مملوء باللطف والمجاملة .
أخذ السيد جمالالدين ينشر أفكاره السياسية محارباً تدخّل بعض الدول الغربية في شؤون الأمم الاسلامية ، خصوصاً الهند ومصر ، في مقالات تداولتها الجرائد الكبرى وامتدت إليها أعناق الدوائر السياسية المشتغلة بشؤون الشرق .
على أنّ أكبر مظهر لنشاط جمالالدين السياسي والأدبي في باريس كان في إنشاء « العروة الوثقى » وهي مجلة أسبوعية عربية كان هومدير سياستها ، والشيخ محمد عبده محرّرها ، وكانت تتولى الانفاق عليها جمعية اسمها جمعية العروة الوثقى ، ذات فروع في
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 83
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٨٣