الهند ومصر وغيرهما من أقطار الشرق الاسلامي تعمل على إنهاض الدول الاسلامية من ضعفها وتنبيهها للقيام على شؤونها ، ويدخل في هذا تنكيس دولة بريطانيا في الأقطار الشرقية وتقليص ظلّها عن رؤوس الطوائف الاسلامية . وقد أخذت هذه الجريدة من قلوب الشرقيين عموماً والمسلمين خصوصاً ما لم يأخذه قبلها وعظ واعظ ولا تنبيه منبه ، وهي ذات أثر في كل ما جد بعد من الحركات الوطنية والحرية في بلاد الشرق .
وقد لقيت هذه الجريدة كل مصادرة في الهند ومصر حتى كانت توضع في غلاف لتصل إلى من يراد إيصالها إليه ، وحتى أعلن في الجريدة الرسمية المصرية أنّ كل من توجد عنده العروة الوثقى يغرم خمسة جنيهات مصرية إلى خمسة وعشرين جنيهاً ! ! وقد نشر منها في ثمانية أشهر 18 عدداً ، صدر آخرها في ذي الحجة 1301 .
خفت صوت العروة الوثقى بما أرصدته لها إنجلترا من عنت وإرهاق ، وترك الشيخ محمد عبده باريس عائداً إلى سوريا .
أمّا السيد جمالالدين فبقي في أوروبا متنقلًا بين « لوندرا » وباريس يتصل بالعلماء والكتّاب ورجالات السياسة وينشر فصوله ومقالاته في الجرائد الكبرى .
وجمع « المستر بلانت » بينه وبين « اللورد سالسبوري » واللورد « تشرشل » للمفاوضة في أمر ثورة المهدي في السودان وهي يومئذ شغل القوم الشاغل ، لكن التوفيق بين وجهات نظر متناقضة لم يكن مستطاعاً .
وفي جمادي الأولى 1303 سافر السيد إلى البلاد الإيرانية بدعوة من « الشاه ناصر الدين » ، فنال مكانة سامية وتزاحم حوله الامراء والمجتهدون والكبراء ، وتمكّن من نظم كثير منهم في سلك الماسونية . وكأنما غشيت الشاه من ذلك ريبة ، وملأه الخوف من تعاظم السلطان الروحي لجمالالدين على شعب أصبح يحيطه باجلاله ومحبته .
ولمح جمالالدين تنكر الشاه له ، فغادر بلاد فارس إلى روسيا ، فحلّ من الشعب الروسي محل الكرامة ، وجعلت تتلقفه المجامع العالية ، ونشر في الجرائد الروسية فصولًا تردد في عالم السياسة صداها .
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 84
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٨٤