هذه الصورة المجملة من تاريخ الشيخ محمد عبده تبيّن مناصبه وتعدّد مؤلّفاته ، لكنّها لا ترسم جوانب عظمته ، فانّ المناصب والكتب ليست مجلي عظمة الشيخ محمد عبده وإن كان ترك نفحة من النبل والعظم في كل ما اتصل به .
تخلّد ذكرى العالم : الكتب ، يودع فيها آيات عبقريته ، ويخلّد الأثر الفني ذكرى الفنان ، أمّا المصلح فهو يهيئ للجماعة مثلًا أعلى لم تعرفه من قبله ، ويحاول أن يصرف إلى ذلك المثل القلوب محاولة تظهر فيها قوة نفسه ، وقوة عزيمته ، ويظهر فيها فيض ما وهب من عبقرية وإلهام .
والشيخ محمد عبده مصلح جريء ، حاول الهدم والبناء في أقدس هيكل عند البشر ، فيما يعتبره الناس ديناً . عرض لذلك في الشرق موطن العواطف الدينية ، وبين المسلمين أشد المتدينين بدينهم كبراً ، وأكثرهم غيرةً وحفاظاً على ما له صورة دين .
أرسل صيحته في الأزهر تدوّي بين شيوخ إن لم يكونوا يومئذ هيأة كبار العلماء فلعلّهم لم يكونوا دون هؤلاء جموداً .
ولم يبال الأستاذ بما لقي من الأذى ، وقد لقي من الأذى كثيراً .
* * * كان الشيخ محمد عبده رجلًا مربوع القامة أو فوق ذلك قليلًا ، ممتلئ الجسم ، متين البنية ، شديد العضل ، رشيق الحركة نشيطها .
ملامح وجهه جميلة في جملتها وتفصيلها تزيدها جمالًا ومهابةً تلك اللحية البيضاء النضيرة المطيفة بمحيا مشرق ، ذي جبهة غرّاء انحسر الشعر عنها رويداً ، وارتفعت فسحة ناطقة بالعقل والإرادة والذكاء . ولعينيه المعتدلتين في السعة من غير ضيق بريق ساحر يملأ الصدر هيبةً واعجاباً وحباً .
واشهد لقد كان جمال الشيخ محمد عبده من الجنود التي سخّرها الله لعبقريته ، وكان صوته العذب المؤثّر من جنود عبقريته أيضاً . كنت طالباً من صغار الطلاب أيام جاء الشيخ محمد عبده إلى الأزهر ، وكان أساتذتنا - عفا الله عنهم - لا يفتأون يذمون لنا
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 71
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٧١