ولمّا كان الثابت بالتواتر من السنّة قليلًا ، فقد صرخ الشيخ في تفسير سورة الفاتحة : ( انه يجب أن يكون القرآن أصلا تحمل عليه المذهب والآراء في الدين ) .
لهذا توجّهت عزيمة الشيخ في أخريات حياته إلى العناية بتفسير القرآن عناية كانت تكاد تستغرق كل مجهوده للإصلاح الديني .
وجهة الطرافة في تفسير الأستاذ هي حسن الطريقة في البحث ، ولطف التصوير لمعاني القرآن على ما يوافق ذوق هذه العصور وإدراكها حاجاتها ، والشيخ في كلا الأمرين متأثّر بمنهاج الفكر الحديث .
ولاشك أنّ الشيخ قد تأثّر بالحياة الغربية على وجه ما في حياته العقلية ومعيشته الخاصة ، ذلك بأنّه تعلم اللغة الفرنسية وسافر إلى أوروبا عدة مرات ، وعاشر الاوربيين في مصر وفي غيرمصر ، فاستفاد من مخالطته وسياحاته ومن مطالعاته لكتب الغربيين في الفنون المختلفة ، وظهر أثر ذلك في أفكار وكتاباته ودعواته الاصلاحية .
* * * ولا يسع المؤرّخ حين يترجم للشيخ محمد عبده أن يغفل الإشارة إلى ما بلغه الرجل في حياته من عزّ وجاه وحرمة موفورة . كان للشيخ محمد عبده خصوم يكرهونه ويكيدون له ، ويضعون له العقبات في سبيل إصلاحه ، ولكن أحداً لم يكن يستطيع أن يغضّ من جلال الشيخ أوينكر عليه منزلته الرفيعة في النفوس .
كان الشيخ محمد عبده بين الطوائف الراقية من المصريين ، وبين طوائف الأجانب في مصر محبوباً معظّماً معترفاً له بمقام الإمامة الذي لا يساميه مقام ، وانتشر صيته في أقطار الشرق ، وتوجّهت إليه الأنظار .
ولو شاء الشيخ محمد عبده لكان ذا غنىً ، ولترك لأرملته المحترمة المريضة ثروة تكفل لها من بعده رفه الشيخوخة ، وتصونها من ذلّة العسر ، ولكن الأستاذ الإمام كان أكبر نفساً وأشد احتقاراً للدنيا من أن يبذل جهده في جمع المال ، فعاش عظيماً فقيراً . ومات فقيراً عظيماً .
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 74
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٧٤