الشيخ ، ويمثّلونه خطراً على الدين وأهله ، فتتأثّر بذلك عقولنا الطفلة ، وكنت أفرّ بديني من أن ألقى الأستاذ أوأستمع لدروسه مع أنّه صديق لوالدي .
وحضرت درسه مرةً لأشهد كيف تشيه وجوه الملحدين ، وتشيه معها عقولهم وقلوبهم . فلمّا رأيت الرجل بالرواق العباسي ، وسمعته يفسّر كتاب الله ، قلت منذ ذلك اليوم :
اللهم إن كان هذا إلحاداً فأنا أول الملحدين : * إن كان رفضاً حبُّ آل محمد فليشهد الثقلان أنّي رافضي
* * * كان الشيخ محمد عبده متميزاً من ناحية الكمال الجسماني بالفطرة والوراثة والنشأة الريفية ، ويظهر أنّه كان ذا منزلة خاصة عند أبويه ، لأنّه أصغر أبناء أمه ، وأنجب إخوته ، فتربّى على شيء من الحرية يكون عادة للأبناء المميزين ولا يكون لغيرهم ، فينشأون ذوي استقلال وجرأة واقدام . ولا ينكر أثر التربيةالصوفية في نفس الأستاذ فإنّها وجهت كل عواطف الشباب في نفس الفتى إلى اللذائذ القدسية ، لذائذ العارفين .
وإذا كانت التربية الحديثة تدعو إلى تلطيف السرّ بأنواع من الرياضة البدنية والروحيّة .
قال ابن سينا في الإشارات : « العارف هش بش بسّام ، وكيف لا يهشّ وهوفرحان بالحقّ وبكلّ شيء فأنّه يرى فيه الحق . العارف شجاع ، كيف لا وهو بمعزل عن تقية الموت ، وجواد ، وكيف لا وهوبمعزل عن محبة الباطل ، وصفّاح ، وكيف لا وذكره مشغول بالحقّ » .
هذه التعاليم الصوفية من شأنها أن تربّي جانب الوجدان ، وتلطّف السرّ ، وتجمّل النفس وتزيّنها . ولاجرم كان الشيخ محمد عبده صوفي الأخلاق ، قد هذّبت من صوفيته تربية السيد جمالالدين الأفغاني ، وزاده ما استفاد من الأسفار وتعلّم اللغة الفرنسية تهذيباً .
قال المرحوم قاسم بك أمين في وصف الأستاذ : « بلغت فيه طيبة النفس إلى درجة تكاد تكون غير محدودة : كان يجذبه الخير كما يجذب المغناطيس الحديد ، فيندفع إليه