أخلاق جمالالدين
أمّا أخلاقه فسلامة القلب سائدةفي صفاته ، وله حلم عظيم يسع ماشاءالله أن يسع ، إلى أن يدنو منه أحد ليمسّ شرفه أو دينه ، فينقلب الحلم إلى غضب ، تنقض منه الشهب . . فبينما هوحليم أوّاب ، إذا هو أسد وثّاب .
وهوكريم يبذل ما بيده ، قوي الاعتماد على الله ، لا يبالي ما تأتي به صروف الدهر ، عظيم الأمانة ، سهل لمن لاينه ، صعب على من خاشنه ، طموح إلى مقصده السياسي الذي قدّمناه ، إذا لاحت له بارقة منه تعجّل السير للوصول اليه ، وكثيراً ما كان التعجّل علّة الحرمان .
وهو قليل الحرص على الدنيا ، بعيد عن الغرور بزخارفها ، ولوع بعظائم الأمور ، عزوف عن صغارها ، شجاع مقدام لا يهاب الموت كأنّه لا يعرف ، إلّا أنّه حادّ المزاج وكثيراً ما هدّمت الحدة ، ما رفعته الفطنة ، إلّا أنّه صار اليوم في رسوخ الأطواد ، وثبات الافناد « 1 » ، فخور بنسبه إلى سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، لا يعد لنفسه مزية أرفع ولا عزاً أمنع من كونه سلالة ذلك البيت الطاهر . وبالجملة ففضله كعلمه ، والكمال لله وحده .
أمّا خلقه - بفتح الخاء - فهو يمثّل لناظره عربياً محضاً من أهالي الحرمين ، فكأنّما قد حفظت له صورة آبائه الأولين من سكنة للحجاز حماه الله : ربعة في طوله ، وسط في بنيته ، قمحي في لونه ، عصبي دموي في مزاجه ، عظيم الرأس في اعتدال ، عريض الجبهة في تناسب ، واسع العينين ، عظيم الأحداق ، ضخم الوجنات ، رحب الصدر ، جليل في النظر ، هشّ بشّ عند اللقاء ، قد وفّاه الله من كمال خلقه ، ما ينطبق على كمال خلقه .
بقي علينا أن نذكر له وصفاً لوسكتنا عنه سئلنا عن اغفاله ، وهو أنّه كان في مصر يتوسع في إتيان بعض المباحات ، كالجلوس في المتنزهات العامة والأماكن المعدة لراحة المسافرين وتفرج المحزونين ، لكن مع غاية الحشمة وكمال الوقار .
هامش
( 1 ) . الفند بفتح الفاء ، سكون النون كالطول : الجبل العظيم .