أمّا حميّته الدينية فهي ممّا لا يساويه فيها أحد ، يكاد يلتهب غيرة على الدين وأهله .
أمّا مقصده السياسي الذي قد وجّه اليه أفكاره ، وأخذ على نفسه السعي اليه مدة حياته ، وكل ما أصابه من البلاء في سبيله ، فهو إنهاض دولة اسلامية من ضعفها ، وتنبيهها للقيام على شؤونها ، حتى تلحق الأمة بالأمم العزيزة ، والدولة بالدول القوية ، فيهود الاسلام شأنه ، وللدين الحنيف مجده ، ويدخل في هذا تنكيس دولة بريطانيا في الأقطار الشرقية ، وتقليص ظلّها عن رؤوس الطوائف الاسلامية ، وله في عداوة الإنجليز شؤون يطول بيانها .
منزلته من العلم
أمّا منزلته من العلم وغزارة المعارف فليس يحدّها قلمي إلّا بنوع من الإشارة إليها . لهذا الرجل سلطة على دقائق المعاني وتحديدها وابرازها في صورها اللائقة بها ، كأن كل معنى قد خلق له ، وله قوة في حلّ ما يعضل منها كأنّه سلطان شديد البطش ، فنظرة منه تفكّك عقدها .
كل موضوع يلقى اليه ، يدخل للبحث فيه ، وكأنّه صنع يديه ، فيأتي على أطرافه ، ويحيط بجميع أكنافه ، ويكشف سترالغموض عنه فيظهر المستور منه . ولذا تكلم في الفنّون ، حكم فيها حكم الواضعين لها ، ثم له في باب الشعريات قدرة على الاختراع ، كأنّ ذهنه عالم الصنع والابداع ، وله لسن في الجدل وحذق في صناعة الحجة ، لا يلحقه فيهما أحد إلّا أن يكون في الناس من لا نعرفه .
وكفاك شاهداً على ذلك أنّه ما خاصم أحد إلّا خصمه ، ولاجادله عالم إلّا ألزمه ، وقداعترف له الأوروبيون بذلك بعدما أقرّله الشرقيون .
وبالجملة فإنّي لو قلت : أن آتاه الله من قوة الذهن وسعة العقل ونفوذ البصيرة هو أقصى ما قدّر لغير الأنبياء ، لكنت غير مبالغ
ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ .