وحمل تلامذته على العمل في الكتابة وإنشاء الفصول الأدبية والحكمية والدينية ، فاشتغلوا على نظره وبرعوا .
* * * وتقدّم فن الكتابة في مصر بسعيه ، وكان أرباب القلم في الديار المصرية القادرون على الإجادة في المواضيع المختلفة منحصرين في عدد قليل ، وماكنّا نعرف منهم إلّا « عبد الله باشا فكري » و « خيري باشا » و « محمد بشا سيد احمد » على ضعف فيه و « مصطفى باشا وهبي » على اختصاص فيه . ومن عدا هؤلاء فإمّا ساجعون في المراسلات الخاصة ، وإمّا مصنّفون في بعض الفنون العربية أوالفقهية وما شاكلها .
ومن عشر سنوات ترى كتبه في القطر المصري لا يشقّ غبارهم ولايوطأ مضمارهم ، وأغلبهم أحداث في السنّ شيوخ في الصناعة ، وما منهم إلّا من أخذ عنه أو عن أحد تلامذته أو قلّد المتصلين به ، ومنكر ذلك مكابر ، وللحق مدابر .
هذا ما حسده عليه أقوام واتخذوا سبيلًا للطعن عليه من قراءته بعض الكتب الفلسفية ، أخذاً بقول جماعة من المتأخرين في تحريم النظر فيها ، على أنّ القائلين بهذا القول لم يطلقوه ، بل قيّدوه بضعفاء العقول ، قصار النظر ، خشية على عقائدهم من الزيغ .
أمّا الثابتون في إيمانهم فلهم النظر في علوم الأولين والآخرين من موافقين لمذاهبهم أو مخالفين ، فلا يزيدهم ذلك الّا بصيرة في دينهم وقوة في يقينهم ، ولنا في أئمة الملة الاسلامية ألف حجة تقوم على ما نقول ، ولكن تمكّن الحاسدون من نسبة ما أودعته كتب الفلاسفة إلى رأي هذا الرجل ، وأذاعوا ذلك بين العامة ، ثم أيّدهم أخلاط من الناس من مذاهب مختلفة كانوا يطرقون مجلسه ، فيسمعون ما لا يفهمون ، ثم يحرّفون في النقل عنه ولا يشعرون ، غير أنّ هذا كله لم يؤثّر في مقام الرجل من نفوس العقلاء العارفين بحاله ، ولم يزل شأنه في ارتفاع ، والقلوب عليه في اجتماع ، إلى أن تولّى خديوية مصر محمد توفيق باشا ، وكان السيد من المؤيدين لمقاصده ، إلّا أنّ بعض المفسدين ، ومنهم « مستر فيفيان » قنصل إنجلترا الجنرال ، سعى فيه لدى الجناب الخديوي ونقل المفسد عنه ، ما الله يعلم أنّه بريء منه ، حتى غيّر قلب الخديوي عليه ، فأصدر أمره
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 65
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٦٥