تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
أن يلزم السكون ويغضى على الكريهة ، وطول‌الزمان يتكفّل باضمحلال الإشاعات وضعف أثرها ، فلم يقبل ولجّ في طلب المخاصمة ، فعظم الامر ، وآل إلى صدور أمر الصدارة اليه بالجلاء عن الآستانة بضعة أشهر حتى تسكن الخواطر ، ويهدأ الاضطراب ، ثم يعود إن شاء ، ففارق الآستانة مظلوماً في حقّه ، مغلوباً لحدّته .

جمال الدين في مصر

فارق الآستانة فحمله بعض من كان معه على التحول إلى مصر ، فجاء إليها في أول المحرم سنة 1288 « 1 » ، هذا مجمل أمره في الآستانة وما ذكر « سليم العنجوري » في شرح شعره المسمى « سحر هاروت » ممّا يخالف ذلك خلط من الباطل ، لا شائبة للحقّ فيه . مال السيد جمال‌الدين إلى مصر على قصد التفرّج بما يراه من مناظرها ومظاهرها ، ولم تكن له عزيمة على الإقامة بها حتى لاقى صاحب الدولة « مصطفى رياض باشا » فاستمالته مساعيه إلى المقام ، وأجرت عليه الحكومة وظيفة « ألف قرش مصري » كل شهر ، نزلًا أكرمته به لا في مقابلة عمل . واهتدى اليه بعد الإقامة كثير من طلبة العلم ، واستوروا زنده فأورى ، واستفاضوا بحره ففاض دراً ، وحملوه على تدريس الكتب ، فقرأ من الكتب العالية في فنون الكلام الاعلى ، والحكمة النظرية طبيعية وعقلية ، وفي علم الهيئة الفلكية وعلم التصوف ، وعلم أصول الفقه الاسلامي . وكانت مدرسته بيته من أول ما ابتدأ إلى آخر ما اختتم ، ولم يذهب إلى الأزهر مدرساً يوماً واحداً . نعم كان يذهب اليه زائراً . وأغلب ما كان يزوره يوم الجمعة . . ! عظم أمر الرجل في نفوس طلاب العلوم ، واستجزلوا فوائد الاخذ عنه ، وأعجبوا بدينه وأدبه ، وانطلقت الألسن بالثناء عليه ، وانتشر صيته في الديار المصرية . ثم وجّه عنايته لحلّ عقد الأوهام عن قوائم العقول ، فنشطت لذلك الباب واستضاءت بصائر ،
هامش
( 1 ) . في مشاهير الشرق لجرجي زيدان ان جمال‌الدين نزل مصر في أول المحرم سنة 1288 ه . الموافق 22 مارس سنة 1871 م .