وصعد السيد جمالالدين على منبر الخطابة ، وألقى ما كان أعدّه وأرسل « حسن فهمي أفندي » أشعة نظره في تضاعيف الكلام ليصيب منه حجة للتمثيل به ، وما كان يجدها لو طلب حقاً ، ولكن كان الخطاب في تشبيه المعيشة الانسانية ببدن حي ، وأنّ كلّ صناعة بمنزلة عضو من ذلك البدن تؤدي من المنفعة في المعيشة ما يؤديه العضو في البدن . . فشبّه الملك مثلًا بالمخ الذي هومركز التدبير والإرادة ، والحدادة بالعضد ، والزراعة بالكبد ، والملاحة بالرجلين ، ومضى في سائر الصناعات والأعضاء حتى أتى على جميعها ببيان ضاف واف . ثم قال : « هذا ما يتألّف منه جسم السعادة الانسانية ، ولا حياة لجسم إلّا بروح ، وروح هذا الجسم إمّا النبوة وإمّا الحكمة ، ولكن يفرق بينهما بأنّ النبوة منحة الهية لا تنالها يد الكاسب ، يختصّ الله بها من يشاء من عباده ، والله أعلم حيث يجعل رسالاته . أمّا الحكمة فمّما يكتسب بالفكر والنظر في المعلومات ، وبأنّ النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من الخطأ ، والحكيم يجوز عليه الخطأ ، بل يقع فيه ، وأنّ أحكام النبوات آتية على ما في علمالله لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ، فالاخذ بها من فروض الإيمان . أمّا آراء الحكماء فليس على الذمم فرض اتّباعها إلّا من باب ما هو الأولى والأفضل على شريطة ألّا تخالف الشرع الا لهي » .
هذا ما ذكره متعلّقاً بالنبوة ، وهومنطبق على ما أجمع على علماء الشريعة الاسلامية ، إلّا أنّ « حسن فهمي أفندي » أقام من الحق باطلًا ليصيب غرضه من الانتقام ، فأشاع أنّ الشيخ جمالالدين زعم أنّ النبوة صنعة ! واحتج لتثبيت الإشاعة بأنّه ذكر النبوة في خطاب يتعلّق بالصناعة - وهكذا تكون حجج طلاب العنت - ثم أوعز إلى الوعّاظ في المساجد أن يذكروا ذلك محفوفاً بالتفنيد والتنديد ، فاهتم السيد جمالالدين للمدافعة عن نفسه وإثبات براءته ممّا رمي به .
ورأى أنّ ذلك لا يكون إلّا بمحاكمة شيخ الاسلام . - وكيف يكون ذلك ؟ - واشتد في طلب المحاكمة وأخذت منه الحدة مبلغها ، وأكثرت الجرائد من القول في المسألة ، فمنها نصراء للشيخ جمالالدين ، ومنها أعوان لشيخ الاسلام ، فأشار بعض أصحاب السيد عليه
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 63
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٦٣