عبد الحميد مباشرة ، أن يعيد التشكيل الإداري للدولة العثمانية من ولايات إلى خديويات ، بحيث يصبح العراق وشمال الشام خديوية ، والمثلث الذي يضم دمشق وبيروت حتى القدس خديوية ، والحجاز خديوية أخرى . . الخ . بحيث تتمتع هذه المناطق بما يشبه الإدارة الذاتية كما كانت الأمور في مصر قبل الاحتلال البريطاني . وكان الأفغاني يرى أنّ هذا الوضع سينعش الأوضاع في أجزاء الدولة ويجعلها أكثر قدرةعلى التحرك والنهوض ، وأنّ ذلك في النهاية قد يدفع بإيران وأفغانستان إلى اللحاق بالاتحادية الاسلامية الناهضة .
ولكن عبد الحميد - كما يذكر الأفغاني - رفض الفكرة ، وأبدى عدم قناعته بها .
لا يمكننا - على الاطلاق - أن نقول : إنّ الأفغاني عاش حياة ، وترك رؤية ، صائبتين بلا أخطاء ، فقد كان مثله مثل كل عظام التاريخ ، اخذ قيمته من أنّ عموم مسيرته ورؤيته كانت صحيحة إلى حدّ كبير ، وأنّه حاول حتى الرمق الأخير أن يحقّق ما آمن به .
لقد فهم الأفغاني جوهر الغرب الاستعماري فقاتل ضده بصلابة ، في الهند ومصر واسطنبول وإيران ، ومع الحركة المهدية في السودان وأدرك أهمية وحدة الامةمن جديد ، فحمل راية الوحدة في كل قطر حلّ به وأمام كل حاكم التقاه .
وأدرك سرّ التخلّف والتهاوي في العالم الاسلامي ، ولذا فقد كان نقدياً متقدماً وحضارياً مبدعاً . كان بلا شك مدافعاً صلباً عن الحرية ، وعن دور الشعوب في إدارة شؤونها .
أستاذ الروّاد
ويستطيع الباحث اليوم أن ينظر إلى القرن الأخير من تاريخ أمتنا فيجد أنّ جيلًا بأكمله من روّاد النهضة الاسلامية الحديثة من محمد عبده إلى عبد العزيز جاويش وعبد الله النديم ومصطفى كامل كانوا جميعاً من تلاميذه ، وأنّ الثورة العرابية في مصر وثورة الدستور في إيران كانت أثراً من آثاره ، بل أننا نستطيع القول إنّ النهضة الاسلامية المعاصرة ، من إيران إلى أفغانستان إلى مصر ، تنتمي جميعها إلى الأفغاني انتماء شرعياً .
وفي أوراقه التي وجدت بعد وفاته بسنين عديدة ، كشفت بعض القصائد الشعرية التي كتبها جمال الدين ولم يهتم بنشرها في حياته ، وإحداها يقول :
« طغاة إيران يحرقون