ولكن هذا لا يمنع من وجود العالم والعاقل أيضاً ، فبالمنظار الذي تنظرون به إلى الشعب المصري . . ينظر به لسموكم ! . . وإذا قبلتم نصحي وأسرعتم لاشراك الأمة في حكم البلاد فتأمرون بأجراء انتخاب نواب عن الأمة تسنّ القوانين . . فإنّ ذلك أثبت لعرشكم ، وأدوم لسلطانكم » .
وقد سأله شاه إيران غاضباً : « أيصحّ أن أكون يا حضرة السيد وأنا ملك ملوك الفرس كأحد افراد الفلاحين ؟ » .
فردّ الأفغاني : « اعلم يا حضرة الشاه أنّ تاجك وعظمة سلطانك وقوائم عرشك ستكون بالحكم الدستوري أعظم وأثبت مما هي الآن . لاشك يا عظمة الشاه إنّك رأيت وقرأت عن أمة استطاعت أن تعيش بدون أن يكون على رأسها ملك ، ولكن هل رأيت ملكاً عاش بدون أمة ورعية » .
وفي كل لقاءاته بالسلطان عبد الحميد ، كان جمال الدين يحثّه على فتح الأبواب من حوله ، وتوثيق علاقته المباشرة بالناس ، ويوضح له الصلة الوثيقة بين الشورى والقرآن ، وحكمة تنظيم امورالبلاد على أساس دستوري ثابت .
« لا ريب لو تيسّر ذلك لكان إعادة عصر الرشيد للمسلمين ميسوراً . وجمع شتات الممالك الاسلامية تحت لواء سلطان عادل همام ، مثل الفاتح أو السلطان سليمان ، أو السلطان سليم ، غير عسير . . »
وشرح السبب الثاني الذي كان يراه لايقلّ في تأثيره عن الأول بأن جعلت القسطنطينية عاصمة للدولة ، وهي أرض فتحت حديثاً وليست في مركز الدولة و « لأنّ المستعمرة مهما عظم موقعها وطاب هواؤها ، لا يصح أن تتخذ قاعدة أو عاصمة للملك ، لأسباب أهمها : أنّ المستعمرة كالثوب العارية ، قابل للاسترداد ، والممالك لا تسقط ولا تتبعثر أجزاؤها إلّا من ضعف السلطان في عواصمها ، ومنها ، بعد المستعمرة ، على الغالب عن مجموع القوة واحاطتها بأعداء الملك وأعوانه . . » .
الرؤية السياسية
ومع ادراكه لفوات الآوان في إصلاح ما سبق من أخطاء ، إلّا أنّه كان يملك رؤية لتغيير واقع الحال ، وكانت رؤيته تعتمد على فهمه التاريخي الواقعي والاجتماعي لبلاد المسلمين ، وقد ذكر في تأملاته التي أملاها على المخزومي أنّه اقترح على السلطان