ومن هنا انطلق رحمه الله ليعيد للأمة تصورها الصحيح عن العقيدة ، وعن تلاحم العقيدة مع العمل ، ويحرك فيها الإحساس الثوري المتفاعل مع العقيدة والمنطلق على أساسها .
وتكفي نظرة سريعة على أقواله وأفعاله وكتاباته وخططه لنحكم بالتالي على الرجل بأنّه كان مسخّراً حياته للقضاء على محور الداء في هذه الأمة ، واقفاً نفسه لتطويق آثار الداء ، عاملًا على التوعية المطلوبة بهذه الآثار .
وفي هذا السبيل نسي السيد كل انتساب قومي أو عرقي أو نسبي أو ارضي ليحقّق امتداده العالمي ، وثار على التقاليد البالية التي منعت رجل العلم الديني من الخوض في غمار السياسة لينغمس كلياً في عالمها باعتبارها أحد الميادين الرئيسية التي يجب أن يجاهد فيها العلماء .
وراح يعلنها بالتالي دعوة كريمة ، وصرخة مدوية تدعو إلى الاصلاح والوحدة ، وهما مفهومان يتلاحمان في شخصيته وسيرته ودعوته العالمية . .
فإذا انضم لكل هذا الوعي الاخلاص ، فإنّ من الطبيعي أن يتبعه التفاني والتضحية ونسيان الراحة ، وكل ما يمت إليها ، وحينئذ يأتي النصر الإلهي المؤزّر لعباده الصالحين .
وهكذا كان الامر ، وسرت النيران لتعصف بالعروض في إيران وتركيا ومصر ، وهكذا تساقطت العروش الكرتونية التي حملت في أمخاخها العمالة والاستكبار ، ومشت دعوة جمال الدين في الأفئدة الحرة لتصوغ مصلحين من أمثال محمد عبده ، هذا الرجل العظيم الذي خلّد أستاذه في كتاباته وأعماله معاً .
ومضى الزعيم المسلم إلى ربه بعد أن غرس الروح الثورية في مجمل الحياة الاسلامية لتفرع بعد ذلك بما يحقّق أهدافه السامية .
لقد ظنّ الاستعمار أنّه مات وماتت معه أفكاره ، وربما ظنّ أنّه يستطيع أن يسخّر شخصيته لتغطية بعض عملياته هو ، وراح يزرع عملاءه هنا وهناك آمناً . إلّا أنّه فوجئ بعد مدة بالعملاق الاسلامي يتحرك فيهز الأرض تحت أقدام العملاء ، بل وينطلق من أرض كان يعتبرها جزيرة الأمان ، من إيران الثورة ، فإذا بأكبر قلعة استعمارية تهتز ،
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 441
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٤٤١