الذي دبّ في نفوسهم ، فاستطاعت جماعة من قزم الإفرنج أن تكتسح بلادهم ، وأن يقيموا فيها . »
وقد وجّه الأفغاني كذلك مآخذ حاسمة إلى اتجاهات الفلسفة الأوروبية في عصره ، ابتداء من العدمية إلى الاجتماعية والاشتراكية . وقال : إنّ هؤلاء « بحجة مساعدة الفقراء والضعفاء أرادوا إلغاء الامتيازات الانسانية كافة ، وإباحة كل الممتلكات » .
حوار مع المستشرقين
وفي الردّ على المستشرق الفرنسي آرنست رينان عالج الأفغاني النقطتين الرئيسيتين في محاضرة رينان العنصرية :
الأولى : أنّ الديانة الاسلامية كانت - بما لها من نشأة خاصة - تناهض العلم .
والثانية : أنّ العرب أمة غير صالحة بطبيعتها لعلوم ما وراء الطبيعة ، ولا للفلسفة .
قال الأفغاني في مقالته التي نشرتها صحيفة « ديبا » الفرنسية في 19 ايار ( مايو ) سنة 1883 م : « فأما عن النقطة الأولى فإنّ المرء ليتساءل بعد أن يقرأ المحاضرة عن آخرها ، أصدر هذا الشر عن الديانة الاسلامية نفسها ، أم كان منشؤه الصورة التي انتشرت بها الديانة الاسلامية في العالم ، أم أنّ اخلاق الشعوب التي اعتنقت الاسلام ، وعاداتها وملكاتها الطبيعية هي جميعا مصدر ذلك ؟ لا ريب أنّ قصر الوقت المخصص للمسيو رينان قد حال دون جلائه هذه النقطة . . فرؤساء الكنيسة الكاثوليكية المبجّلون لم يلقوا أسلحتهم بعد ، كما أعلم ، وهم عاكفون على محاربة ما يسمّونه بالتدليس والضلال ( يعني العلم والفلسفة ) .
وقال عن النقطة الثانية : « صحيح أنّ العرب أخذوا عن اليونان فلسفتهم كما أخذوا عن الفرس ما اشتهروا به ، بيد أنّ هذه العلوم التي اخذوها بحقّ الفتح قد رقوها ووسعوا نطاقها ، ووضحوها ونسقوها تنسيقاً منطقياً ، وبلغوا بها مرتبة من الكمال تدلّ على سلامة الذوق ، وتنطوي على التثبيت والدقة النادرين ، وقد كان الفرنسيون والانكليز والالمان لا يبعدون عن رومه وبيزنطة بعد العرب عنها ، وكان من السهل عليهم أن يستغلوا كنوز علوم تلك المدينتين ولكنّهم لم يفعلوا ، حتى جاء اليوم الذي ظهر فيه منار المدنية العربية على قمة جبال البرانس يرسل ضوءه وبهاءه على الغرب . فأحسن الأوروبيون إذ ذاك