يدرك أنّ إنقاذه وانقاذ البلاد لن يأتي الّا إذا استطاع أن يعيد توحيد الأمة والبلاد حوله ، توحيداً حقيقياً نهضوياً أكثر منه توحيداً سياسياً . وكان عبد الحميد يعرف تاريخ الأفغاني ونضالاته واتصالاته الوثيقة بكل أجزاء الوطن الاسلامي ، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ، وهكذا بدأت العلاقة القصيرة المضطربة بينهما .
الأفغاني من جهته كان مناضلًا واقعياً يدرك ما في الدولة العثمانية من سلبيات وعوامل تدهور ، وكان يعرف أثر الإرث التاريخي لالتفاف الأمة حول سلطانها ، وحتى قبل أن تبدأ علاقته المباشرة بعبد الحميد ، كان واضحاً في « العروة الوثقى » وهو يبدي تأييده للسلطان ، ويدعو للالتفاف حوله في الوقت الذي كان يوجّه فيه الانتقاد لسلبيات الحكم وانحرافاته .
بمواجهة حاشية السلطان
وفي الآستانة بعد قليل من وصوله بدأت الأمور تتكشف أمامه ، كان عبد الله النديم الصحفي والأديب والثائر المصري قد سبقه منفياً من مصر إلى الآستانة ، وكان واحداً من تلاميذه في القاهرة ، أوضح له من البداية أنّ الأمور لن تكون بالسهولة التي يتصورها ، وأنّ حاشية السلطان لا تحمل من الاخلاص لا اسماً ولا جوهراً ، وأنّ مشاريعه لإعادة تشكيل النظام السياسي للدولة ، آراءه في عقلنة الفكر ، وطموحه حول توحيد الأمة ، لن تجد أذناً صاغية ، وإن وجدت فلن تجد إرادة فاعلة .
كان عبد الحميد « طيب القلب كثير الأخطاء » وكان يحمل على ظهره كل الخوف وسلبيات تراث التآمر في عاصمة دولته ، في الوقت الذي كان فيه مؤمناً واعياً للأخطار التي تهدد الدولة . كان يستمع لجمال الدين من جانب ، ومن الجانب الآخر يجد العشرات من الداسين عليه وعلى رأسهم أبو الهدى الصيادي الشيخ الصوفي السياسي ، الذي كان شيخ طريقة وقريباً من السلطان ، ومن أكبر أقطاب التآمر في عاصمة الدولة العثمانية .
وشيئاً فشيئاً ورغم الجهد الهائل الذي بذله الأفغاني في الآستانة ، وعبر اتصالاته في الهند وإيران ومصر لتوحيد بلاد المسلمين ، إلّا أن آماله في إنجاز شيء حقيقي بدأت في التلاشي ، لم يكن حماسه ولا ايمانه ولا طاقته هي التي نفدت ، ولكن تهاوي المرحلة كان أكبر من عزمه وايمانه .