وفي العام 1315 ه - / 1897 م مات الأفغاني عن 59 عاماً بعد أن كان النسر المحلّق داخله قد ذوى منهكاً تعباً . وقد أثير الكثير من الجدل حول وفاته ، وقال البعض : إنّه مات مسموماً ، ولكن ذلك لم يعد ذا أهمية كبيرة الآن ، فكيفية موته كانت مسألة صغيرة . . صغيرة أمام قانون موته الذي أوضح إلى أي درجة ، والى أي حدّ كان من الصعب ان يوقف الانهيار .
تراثه الفكري
لم يترك الأفغاني الكثير من التراث المكتوب ، وتكاد مصادره المعروفة اليوم تقتصر على كتابه الأول : « تتمة البيان في تاريخ الأفغان » وكتابه الثاني : « الردّ على الدهرين » مذكراته التي أملاها على تلميذه محمد المخزومي والتي طبعت بعنوان « تأملات الأفغاني » ثم مقالاته في العروة الوثقى . ولكن ما سجّله الآخرون ممن كانوا قريبين منه كان كافياً لنتعرف على طبيعة تفكيره ، وكان من أهم هؤلاء ما كتبه رشيد رضا مؤرخاً لمحمد عبده وناقلًا عنه معرفته للافغاني في كتابه « تاريخ الأستاذ الامام » ولكن الدراسات والأبحاث حول الأفغاني لم تتوقف حتى يومنا هذا ، وتكاد لا توجد وثيقة حول حياته باقية ولم يتم كشفها .
وفي « الردّ على الدهريين » صوب الأفغاني نقداً قاسياً ضد أتباع الفلسفة الطبيعية الانتقائية التي أخذ بها احمد خان في الهند ، وكان قد التقاه فيها سنة 1889 ، ولكن انتقاده كان أوسع من احمد خان ، فقد هاجم ايضاً ديمقريطس وداروين ، وأنكر عليهم إنكارهم لوجود الله تصريحاً أو تلميحاً .
وقد عمد إلى التدليل على الدور العظيم الذي لعبه الدين في المدنية والرقي الانساني . وقال الأفغاني : « إنّ الدين علّم الانسان وأعطاه طبيعته الروحية التي جعلته أشرف المخلوقات ، مما أوصله إلى الترفع عن الانقياد لميوله البهيمية ، والى العيش بسلام مع أقرانه » . وقال : إنّ الأمة الإسلامية قامت أصلًا على أسس دينية وخلقية راسخة « إلا أنّ قيام الدهرية ( الفلسفة الطبيعية ) في مصر وبلاد الفرس في القرن العاشر تحت ستار الإسماعيلية لم تلبث أن قوّضت أسس العقيدة ، وزرعت بذور الشك في نفوس المسلمين . وأكد على « أنّ فقدان الشكيمة الخلقية لدى المسلمين كان أهم الأسباب وراء الضعف