لم تسمح له بحرية العمل . أمّا القسم الآخر فقد سقط تحت الحكم الاستبدادي ، ولم يبق للافغاني خيار إلّا أن يسافر إلى أوروبا لكي يستأنف من هناك نشاطه . وكان طبيعياً أن يختار الأفغاني باريس ، وليس لندن حيث كان كفاحه السياسي الرئيسي موجهاً ضد الانكليز واستبدادهم وجرائمهم في البلدان الاسلامية .
وصل الأفغاني إلى باريس بعد عام من فشل ثورة عرابي في مصر ، والتحق به تلميذه وصديقه محمد عبده ، الذي كان منفياً في بيروت . وفي غرفة صغيرة على سطوح احدى عمارات شارع « مارتل » أصدر الأفغاني مع صديقه عبده الأعداد الأولى من الجريدة التي تركت بصماتها على كل ذلك الجيل ، والتي أخذت اسم الجمعية السرية ( العروة الوثقى ) التي سبق للافغاني أن أسسها واختار أعضاءها من صفوة المفكرين الملتزمين من مختلف البلدان الاسلامية ومن أصدقائه ومريديه .
وقد أخذ اسم الجمعية من الآية القرآنية الكريمة : فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها .
ويدلّ اسم الجمعية على أهدافها الوحدوية الاسلامية ، وعلى تمسّكها بالدين ، ونضالها ضد الطواغيت . وكان اهتمام الجمعية موجّهاً للدفاع عن حقوق الشعوب المسلمة ، وبصورة خاصة عن المصريين بعد أن احتل الانكليز بلدهم . يقول الأفغاني : « إنّ الحالة السيئة التي أصبحت فيها الديار المصرية لم يسهل احتمالها على نفوس المسلمين عموماً . إنّ مصر تعتبر عندهم من الأراضي المقدسة ، ولها في قلوبهم منزلة لا يحلّها سواها نظراً لموقعها من الممالك الاسلامية ، ولانّها باب الحرمين الشريفين ، فإن كان هذا الباب أميناً كانت خواطر المسلمين مطمئنة على تلك البقاع » . وحاولت الجمعية كذلك أن تتصل ببعض السياسيين الأوروبيين لحفظ حقوق المسلمين : « انّ الجمعية قد عقدت الروابط الأكيدة مع الذين يتململون من مصابهم ، ويحبّون العدالة العامة ، ويحامون عنها من أهل أوروبا » . وأمّا سرية الجمعية فقد كانت أمر فرضته عليها الظروف السياسية في الشرق حينذاك .
العروة الوثقى : فجر الصحافة الإسلامية
وحصل أن اتفق أعضاء جمعية العروة الوثقى على إصدار جريدة عربية كما تشير المقالة الافتتاحية للجريدة : و « اختاروا أن يكون لهم في هذه الأيام جريدة بأشرف لسان