ريثما يهدأ الضجيج المثار حوله ، فغادرها ليصل القاهرة مرة أخرى في آذار ( مارس ) 1871 م .
مؤازرة محمد عبده
يقول الشيخ محمد عبده صديق جمال الدين ورفيقه وتلميذه لفترة طويلة من الزمن ، واصفاً مصر في تلك الفترة ووصول الأفغاني إليها : « إنّ أهالي مصر قبل سنة 1293 ه - - 1877 م كانوا يرون شؤونهم العامة بل والخاصة ملكاً لحاكمهم الاعلى ، ومن يستنيبه عنه في تدبير أمورهم يتصرف فيها حسب إرادته . . ولا يرى أحد منهم لنفسه رأياً يحق له أن يبديه في إدارة بلاده . . أو إرادة يتقدم بها إلى عمل من الاعمال يرى فيه صلاحاً لأمته ، ولا يعلمون من علاقة بينهم وبين الحكومة سوى أنّهم محكومون مصرفون فيما تكلّفهم الحكومة به وتضربه عليهم ، وكانوا في غاية البعد عن معرفة ما عليه الأمم الأخرى ، سواء أكانت اسلامية أو أوروبية ، ومع كثرة من ذهب منهم إلى أوروبا وتعلّم فيها ، من عهد محمد علي إلى ذلك التاريخ الذي ذكرناه 1877 م لم يشعر الأهالي بشيء من ثمرات تلك الاسفار ولا فوائد تلك المعارك التي اكتسبها ، ومع أنّ إسماعيل باشا أبدع « مجلس الشورى » في مصر سنة 1283 ه - - 1866 م وكان من حقّه أن يعلّم الأهالي أنّ لهم شأناً في مصالح بلادهم ، وأنّ لهم رأياً يرجع إليه فيها ، لم يحس أحد منهم ولا من أعضاء المجلس أنفسهم بأنّ لهم ذلك الحق الذي يقتضيه تشكيل هذه الهيئة الشورية . .
. . هل كان يمكن لأحد أن يعمل على خلاف ما يؤمر به ؟ هل كان يمكن لشخص أن يميل بفكره عن الطريق التي رسمت له ، أو الوجهة التي يتوجه إليها الحاكم ! لو حدثه الفكر السليم بأن هناك وجهة خير من ذلك ؟
هل كان يمكنه أن ينطق بما حدثه به فكره ؟ كلا فإنّه كان بجانب كل لفظ نفي عن الوطن ، أو إزهاق للروح ، أو تجريد من المال . .
وبينما الناس على هذا ، لا كاتب ينبّههم ولا خطيب يعظهم ، إذ عرض أمر قلّما يلتفت اليه ، وإن كان مما جرت به السنة الإلهية في كل زمان .
جاء إلى هذه الديار في سنة 1286 ه - . رجل غريب بصير في الدين ، عارف بأحوال الأمم واسع الاطلاع ، جمّ المعارف جريء القلب ، وهو المعروف بالسيد جمال الدين الأفغاني ، اشتغل بالتدريس لبعض العلوم العقلية . . وكان طلبة العلم ينتقلون بما يكتبونه