فيها خطراً على أدوات الاستعمار ، ولم تكن تجربته في أفغانستان ببعيدة عن أذهان كل الأطراف .
وفي ليل حار من ليالي القاهرة في 24 آب ( أغسطس ) 1879 م اقتيد الأفغاني وحيداً من أمام منزله إلى مركز الشرطة ، ومع أول شعاع للفجر أخذ إلى قطار السويس ، وفي ميناء المدينة اركب أول سفينة مغادرة بر مصر . في القاهرة كان الخديوي ورجاله يغطون فعلتهم بسيل من الاتهامات والطعن في ظهر الرجل الذي كان قبلها بأيام قليلة فقط نجم مصر الفكر والسياسة . كان ما حدث في ذلك الصيف القاهري الحار انقلاباً حقيقياً قامت به السفارات الأجنبية والقصر على قيادة الشعب المصري الجماهيرية لإجهاض حركته المتوقعة ، ولكن الانقلاب لم يكن كاملًا ، فبعد عامين فقط كان تلاميذ الأفغاني يتصدون لتوفيق ويضيئون تاريخ مصر الحديثة في ثورة عرابي .
وصلت سفينة الأفغاني إلى بومباي التي قضى فيها حوالي العامين عاملًا بجهد لا يوصف من أجل توثيق علاقاته بكل القوى والفعاليات السياسية في البلاد ، وعندما بدأت الحركة العرابية في مصر ضيّق عليه الانكليز الحصار خوفاً من أن تؤدي اتصالاته إلى تصعيد في الحركة ، وقد نقل من بومباي إلى كلكتا ، وعندما وصلته أخبار فشل العرابيين في مصر واحتلال الانكليز لأرض الكنانة بدأ مشروع الأفغاني الكبير في النضوج ، والذي تمثّل فيما بعد بتشكيل اسلامي عالمي تحت اسم « العروة الوثقى » ضم الكثير من قادة ورجال الأمة الاسلامية في العالم .
الهجرة إلى باريس
اختار الأفغاني في تلك الفترة باريس مركزاً لنشاطاته السياسية بسبب عوائق وقفت في وجه نشاطه السياسي في غيرها . إذ كانت مصر البلد الاسلامي الوحيد الذي يحظى بحرية الصحافة ، وتتركّز فيه النشاطات الثقافية والسياسية ، فقد احتلّها الانكليز إبان الثورة العرابية العام 1882 م واعتقلوا المفكّرين والثوار ، وسجنوا منهم بعضاً ، ونفوا البعض الآخر ، واغلقوا الجرائد والصحف ، وأوقفوا سياق الحريات العامة .
وأما الهند فقد كانت مستعمرة بريطانية منذ العام 1857 م ، وغير ملائمة لأي حركة موقظة . وفي طهران لم يستطع الشاه أن يحتمل آراء جمال الدين الثورية . وأمّا إسطنبول وبالرغم من وجود أصدقاء ومريدين للافغاني كانت هنالك تيارات وشخصيات عديدة