تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
وفي العام 1869 م وصل السيد جمال الدين الأفغاني إلى القاهرة ، وكانت تموج يومها بالاحداث والتيارات ، ما بين أوروبا الزاحفة ببريق مدنيتها وصعودها المادي والآستانة حيث الانتماء التاريخي السياسي وحلم بقاء الاسلام والمسلمين ، وما بين أمة تريد حقوقها في الحرية الحقيقية العدالة وقصر الخديوي المتردد بين الخوف على السلطة وأحلام الإمبراطورية التي غذتها جغرافيا مصر ومركزها العظيم . وفي القاهرة التفّ حوله الناس ، من طلاب الأزهر إلى كبار رجال الدولة والسياسة ، ولكن مشروعه كان يتبلور في ذهنه والصقر المحلّق الساكن ، روحه ، يدفعه إلى موقع آخر ، كان جمال الدين الأفغاني قد بدأ يدرك آفاق أزمة الأمة وتخلّفها وتكالب دول الغرب عليها ، ووجد أنّ الامل في الاصلاح ، إن كان ما يزال هناك وقت لذلك ! لابد أن يبدأ من المركز من الآستانة . وهكذا بعد أربعين يوماً فقط من الإقامة في القاهرة كان السيد جمال الدين يحمل كتبه التي رافقته إلى كل محطات رحلته ويبحر إلى الآستانة عاصمة الدولة العثمانية . ولم يكن السلطان عبد الحميد قد تولّى الحكم بعد . وقد استقبلته الآستانة في البداية استقبالًا حاراً وعيّن هناك عضواً في « المجلس الاعلى للمعارف » وبدأ نشاطه الواسع ، ثقافياً بشكل أساسي ، وسياسياً بشكل ثانوي . وكان في محاضراته وندواته وأحاديثه يركّز على تحرير الاسلام من التواكل والفكر الاسلامي وبرهانيته . ولكن الأمور لم تجر مجرى حسناً ، فقد بدأ الوهج الذي أحاط به يثير الحسد والغيرة في عاصمة كانت تعيش آخر مراحلها ، وقد تحولت من عاصمة للقوة والفتح إلى مركز للتآمر والدسائس والأطماع من كل جهة . وكانت محاضرته التي ألقاها في دارالفنون « مثل كلية للتكنولوجيا في وقتنا الحاضر » والتي تحدّث فيها عن « الصناعات » موضحاً أفكاره حول النهضة ، كانت تلك المحاضرة بداية لعاصفة كبيرة كانت نذرها تتجمع حوله منذ زمن وقد تطورت الأمور إلى أن انقسمت الآستانة إلى معسكرين : أحدهما مع الأفغاني والثاني مع شيخ الاسلام الذي كان يمثّل السلطة الرسمية الدينية في الدولة التي تسيطر عليها المتصوفة والفكر الصوفي منذ زمن بعيد . ومع اشتداد الهجوم عليه طلب منه السلطان مغادرة الآستانة لفترة مؤقتة
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 421 | السيد هادي الخسروشاهي