إلى أن يدمّر ما تبقى من الوطن الاسلامي بتدمير الدولة العثمانية ، وبالتالي بسط هيمنته على كل العالم القديم .
وفي كلكتا حيث قضى الأفغاني حوالي العام في العلم والدراسة ، كان واقع الرحلة يحيط به من كل الجهات . وقد مضى من الهند إلى جدة حاجاً وهو في حوالي التاسعة عشرة من عمره ، ومنها إلى النجف وكربلاء ، ثم إلى بلدته أسد آباد والى طهران ثم خراسان ، ومنها قرر التوجه إلى أفغانستان حيث استقر في كابول ، وبدأ حياته العامة هناك - كما يقول محمد عمارة - ألف أول كتبه حول تاريخ أفغانستان وقد كتبه بالعربية وسماه ( تتمة البيان في تاريخ الأفغان ) .
كانت أفغانستان في ذلك الوقت ميداناً للدسائس الانكليزية ، حيث كان الاستعمار البريطاني يأمل السيطرة عليها باذكاء الصراع بين أمرائها وشحن أحدهما ضد الاخر ، وقد دخل الأفغاني إلى حمى الصراع الذي كان طرفاه حينها الأمير دوست محمد خان ، وثيق الصلة بالاستعمار البريطاني ، والأمير محمد أعظم خان الذي كان معادياً للانكليز ، وقد انحاز الأفغاني للجانب المعادي للانكليز ، وكان ذلك أول موقف سياسي له ، وأول خيار واع لازمه حتى نهاية حياته .
استمرت حياة الأفغاني في أفغانستان حتى 1868 م ، أثناءها تولى منصب الوزير الأول - كما يقال ! - في حكومة الأمير محمد أعظم خان ، وخاض حرب 1862 م ضد دوست محمد خان وجماعته ، وقد انتقل التأييد الانكليزي بعد وفاته ، إلى شير علي خان الذي استطاع أخيراً ايقاع الهزيمة في معسكر محمد أعظم وكان ذلك مقدمة الشدة على الأفغاني الذي عزل من كل مناصبه ، وعاش محاصراً مراقباً في كابول إلى أن وافقت الحكومة على طلبه بمغادرة البلاد مشترطة عدم ذهابه إلى إيران حتى لا يلتحق بمحمد أعظم الذي كان يعيش منفياً فيها .
ولم يكن أمامه من طريق إلّا الهند حيث كان الانكليز يحتلّون البلاد ويحتفظون له بملف عدائه ومحاربته لنفوذهم في كابول . ورغم استقبال العلماء والوجهاء وقادة الرأي من المسلمين الهنود له ، ورغبتهم في لقائه والالتفاف حوله وهو الذي سبقته أخباره إليهم ، إلّا أنّ حكومة الهند البريطانية لم تكن مطلقاً على استعداد لتحمل بقائه ، وبعد أشهر فقط من وصوله إلى الهند كان الانكليز يركبونه احدى سفنهم المسافرة إلى مصر سراً حتى لايثار الناس .
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 420
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٤٢٠