حياة الأفغاني ونضاله
في حياته كان مالئاً للدنيا وشاغلًا للناس ، وبعد ما يقرب من قرن على وفاته لم يزل بقلقه وتوهجه مالئاً للدنيا وشاغلًا للناس . في حياته ، كان صديقاً للعامة ، للفقراء ، وكان قريباً من الحكّام والوجهاء والقادة . وبعد قرن على وفاته ، لم يزل في صفّ الناس ، عامة الناس وإن اختلف حوله القوم ومن يمثّلهم .
عاش حياته القصيرة محلّقاً كنسر شرقي ، يطوف بالبلاد والحواضر ، وطموحه يكاد يحيط بكل البلاد والحواضر ، حمل هموم الأمة وكأنّها عائلته الصغيرة ، وعمل لمشروع نهضتها وصعودها في كل دقيقة من عمره ، وكأن ما يعمل له كان قاب قوسين أو أدنى ، ومات كأبطال الأساطير بعد أن أثقلته أحزان الإحباط والفشل والوحدة .
كان حراً شريفاً ابياً . وما يثير الحزن أنّه مات متألماً وحيداً ولم ، يكن يدري أنّ مشروعه ما كان ينتهي بل كانت تلك بدايته فقط . . أو لعلّه كان يدري .
إنّ الرجل الذي يدين له كل الإسلاميين اليوم من « ارخبيل الملايو » إلى « وادي الذهب » بأنّه حامل بذرة البداية وحاضنها وناثرها على كل البلاد ، إنّه السيد جمال الدين الأفغاني الأسد آبادي .
الصقر المحلّق
كان مولده في أسد آباد حوالي 1838 م ، وفي السنين الأولى من عمره كان يجلس في النجف للدراسة ، وبعد خمس سنوات يعود إلى بلدته وفي نيته الذهاب للهند لإكمال دراسة العلوم والمعارف التي لم يستطع دراستها في العراق ، وقد سأله والده البقاء والاكتفاء بما تعلّم ، ولكنّ طموحه العظيم كان يدفع به إلى قدره : قال « إنّني كصقر محلّق ، يرى فضاء هذا العالم الفسيح ضيقاً لطيرانه ! وانّني أتعجب منكم إذ تريدون أن تحبسوني في هذا القفص الضيّق الصغير » .
كان القرن التاسع عشر قد بدأ في قطع سنوات نصفه الثاني حين بدأ جمال الدين رحلته الطويلة المرهقة ، وكانت أوروبا قد سارت شوطاً هائلًا في مشروعها التصنيعي الداخلي ومشروعها الاستعماري الخارجي ، لقد زحف الغرب الاستعماري على العالم فاحتلّ معظم أجزاء إفريقيا والهند وشمال إفريقيا الاسلامي - ما عدا ليبيا - وكان يطمح