بامكان السلطان أن يجيب إلى هذا الطلب لأنَّه مدعاة للمواجهة الصعبة مع الرأي العام ، فاستعاض عن ذلك بالتضييق على السيد حتى أتاه المرض . . . ليموت . . . أو أنّه مات مسموماً كما يروي الثّقات « 1 » .
الوشايات التي صادفت في عقل السلطان وقلبه قلقاً من ثورية السيد ، وصعوبة مراسه . . . يقول عبد الحميد في مذكراته : « وقعت في يدي خطة أعدها في وزارة الخارجية الإنجليزية كلّ من مهرّج اسمه « جمالالدين الأفغاني » ، وانجليزي يدعى « بلند » ، قالا فيها بأقصاء الخلافة عن الأتراك ، واقترحا على الإنجليز اعلان الشريف حسين أمير مكة خليفة على المسلمين . . . من مصر إلى الجزيرة على طريق الإنجليز » « 2 » . وبهذه السهولة يتحول السيد من عدو عنيد للانجليز وداعية وحدة إلى صديق ومتآمر مع الإنجليز وداعية تجزئة ! لابدَّ أن يكون الانسان سلطاناً مذعوراً وضائعاً ومستلباً ومحاطاً بالخونة حتى يصدق هذا الكلام . . . وقد كان قصر السلطان مخترقاً ، فالماسونية والصهيونيةكانت قد دخلت ، أو تداخلت مع الداخلين ، والذين جعلوا من السلطان ماسونياً أومن الماسوني سلطاناً . أليس بامكانهم أن يصلوا إلى القصر السلطاني ؟ ليردّوا على انفصال السيد عنهم ، وفضحه لهم ، وسعيه فيما يخالف مطامعهم . . . فجمال الدين كمنهج إنَّما يعني لهم : الوحدة ، وردّ العدوان ، ومنع قيام إسرائيل . . . فلابدَّ من إحباط المنهج بضرب رموزه وأمنائه .
إذن فلماذا لا تكون هذه الوثيقة من وضعهم ؟ لماذا لا يضعها أقرب المقرَّبين إلى السلطان ، وقد فعلوا أكثر من ذلك . . . وهم الخونة ، أو العملاء ، أو الحاشية الفاسدة أجبرت عبد العزيز سابقاً على اخراج السيد من الآستانة . . .
مؤشر آخر في هذا المجال :
في التاسع والعشرين من رجب عام 1316 ه . 1898 م . . . كتب « أبو الهدى
هامش
( 1 ) . محمد حرب عبد الحميد - مذكرات السلطان عبد الحميد - ص 9 .
( 2 ) . المصدر السابق .