وعندما وصل السيد إلى الآستانة بادر عبد الحميد - اعراباً عن تقديره له وأمله به - إلى تعيينه في رتبة قاضي عسكر « 1 » ، وأرسل اليه شارات الرتبة فرفضها وردّ معتذراً : ( بأن رتبة العلم أعلى الرتب ، وانَّه لا يريد أن يكون كالبغل المزركش ) وكان ذلك « 2 » كافياً ليعرف عبد الحميد انَّه امام نوع آخر من الرجال لا يريد لنفسه شيئا ، ويريد لأمّته كلّ شيء .
يؤكد ذلك ما جرى بين السيد والسلطان بخصوص « ناصر الدين شاه » .
لقد استمر السيد في الآستانة في التحريض على شاه إيران . ويوماً استقبله السلطان وقال له : « إنَّ سفير العجم قصدني ثلاث مرات فحجبته في المرتين الأوليين ، ثمَّ أذنت له ، فطلب منّي أن أطلب منك الكفّ عن التعرّض للشاه بسوء ، فأنا الآن أطلب منك الاعراض عن شاه العجم » . فأجاب السيد : « قد عفوتُ عن شاه العجم . . قد عفوتُ عن شاه العجم » ، فعلق السلطان : « يحقّ أن يخاف منك شاه العجم خوفاً عظيماً » « 3 » .
وأثناء ذلك كان السيد قد شرع في الدعوة إلى وحدة المسلمين خلف الدولة العثمانية باعتبارها أكبر دول الاسلام ، والراية التي يستطيع الشرق تحتها خوض معركته الأولى ، والأساس ضدّ الزحف الاستعماري الأوروبي « 4 » .
أسارع إلى التساؤل هنا :
ألم يكن ذلك كافياً منذ البداية ليلفت نظر الجميع من أعداءالوحدة ومن ذوي الأفق الضيّق وأهل الدنيا من حاشيةالسلطان والمنتفعين به ليفكّروا بالكيد للسيد
هامش
( 1 ) . قاضي القضاة أورئيس القضاة وكان يطلق على شاغل هذا المنصب اسم « قاضي عسكر » . ومقره العاصمة ، ويشرف على أعمال القضاة في سائر أنحاء الدولة ، الدكتور عبد العزيز الشناوي - الدولة العثمانية - ج 1 ص 423 - 424 .
( 2 ) . الاعمال الكاملة ج 1 ص 46 .
( 3 ) . المصدر السابق ج 1 ص 44 .
( 4 ) . المصدر السابق ج 1 ص 44 .