يفعلون هذا مع الفريق الآخر منهم ، وعن طريق المحافل الماسونية أيضاً ، وبهذا الشكل سيطر الألمان على تشكيل « تركيا الفتاة » في « سالونيك » ، وسيطر الإنجليز على تشكيل تركيا الفتاة في « مناستر » كانوا يعملون على قيام انقلاب للاستيلاء على الدولة من الداخل » « 1 » ، « وكان هؤلاء الشّباب أمل الدول الكبرى » « 2 » . إنَّ السلطان يبسط الأمور
هامش
( 1 ) . محمد حرب عبد الحميد - مذكرات السلطان عبد الحميد - ص 69 .
( 2 ) . المصدر السابق ص 57 . . . وهنا نتذكر أنّ أحد روّاد القومية العربية في أواخر القرن الماضي الماروني اللبناني « نجيب عازوري أسس أول حزب قومي عربي في باريس ، وأصدر له مجلة بالفرنسية مولتها ورعتها الخارجية الفرنسية ، وهو الذي أسس أول محفل ماسوني عربي ( راجع : نجيب عازوري - د . أحمد أبوملحم - بيروت - المؤسسة العربية للدراسات والنشر ) . ونذكر هنا بأنّ عبد الحميد كما أدعى كان يرى أنّ الحرب الكونية قادمة ، ولذا كان يتمنع قدر الامكان عن خوض الحروب الجزئية كالحرب مع روسيا التي انتهت بمعاهدة سان استيفانو ، وكان يحاول التخفيف عن النشاطات العسكرية التي تبعثر القوة العثمانية وتستتزفها ، استعداداً لخوض هذه الحرب بقوة . ولكن اخصامه في السلطة وخاصة تركيا الفتاة التي أمسكت بالجيش وتقاسمته في تياريها ( الألماني والانجليزي ) هي التي دفعت إلى خوض المعارك الجزئية فأضعفت الدولة . . . وراحت تبحث عن محاور غربية لتتحالف معها من موقع الضعيف . . . بينما آثر عبد الحميد أن يتربص وأن يستثمر الخلافات بين الدول الغربية ليمر من بينها دون أن يقيم تحالفاً ثابتاً انتظاراً لما يأتي . « راجع المذكرات والدكتور عبد العزيز الشناوي ج 2 فصول 31 - 32 - 33 » . وفي حديثه لجريدة « الكان » الفرنسية يقول عبد الحميد الزهراوي - المصري - رئيس المؤتمر العربي الأول : « إنَّ ما حدث في ولايات الدولة العثمانية بأوروبا من الحوادث الخطيرة دعانا إلى التفكير وامعان النظر في الحالة الجديدة التي دخلنا فيها » . وكأنّه يريد أن يصرّح بأنّ انفصال جزيرة « كريت » مثلًا قد شجّع العرب القوميين على طلب الاستقلال الذاتي أواللامركزية التي قبل معهم روادهم النصارى بطرحها على أن تكون مدخلًا لتحقيق الانفصال الكامل . . يقول شكري غانم وهو أحد شخصيات المؤتمر الأساسية في رسالة إلى الخارجية الفرنسية : « إن المؤتمر العربي السوري المنعقد بباريس سوف يترتّب عليه نتيجتان فوريتان هي استعادة فرنسا لود مسلمي الشرق بالذات . . . الخ » .
ويعلّق الدكتور وجيه كوثراني على موقف شكري غانم الذي يمثل التيار النصراني المهيمن يقول : « ولا يلبث شكري غانم أن يعبّر عن موقف مسيحيي الحركة الاصلاحية في بيروت في فهم هؤلاء برنامج الاصلاحات الذي اشترك به الأعيان المسلمون في بيروت . . . فلا يقيم أيّ وزن لهدف المؤتمر الذي هوالمطالبة بالاصلاحات من الدولة العثمانية ، فالمهم في رأيه هوتوريط المسلمين في حركة لن يكون لها أيّ مخرج في استانبول ، وسيكون مخرجها الوحيد الانفصال عن الدولة ، ويقدم مثل لبنان المتصرفية « نموذجاً للاحتذاء » . الدكتور وجيه كوثراني - وثائق المؤتمر العربي الأول - دار الطليعة - ببيروت 1980 ص 55 من المقدمة وص 3 من الوثائق .
وعن الجانب الآخر ، الجانب التركي ودوره في تبرير الأطروحات الانفصالية يقول محمد رشيد رضا : « كتب أحد شبّان الترك المقيمين في القطر المصري مقالات في جريدة الأهرام يفاخر بها العرب بقوته وجنسه معبراً عنهم - أي الترك - بالملة المالكة متبجّحاً بزعمه أنهم هم وحدهم الذين أزالوا الحكومة الاستبدادية ؟ . . . وأنهم هم وحدهم الذين لهم الحق بالتمتع بثمرات الدستور الكاملة . . . وليس للعرب ولا لغيرهم من الأجناس أن يطمعوا في مساواتهم في مناصب الدولة وأعمالها ، لأن ولاياتهم مستعمرات أومستملكات للترك فيجب أن يكون قصارى حظ العرب من الدستور أن يستريحوا من أعباء الظلم ، ويتذوّقوا طعم العدل ، فيكونون من الترك كأهل الجزائر من فرنسا ، أوكأهل الهند من أنكلترا » . ( وثائق المؤتمر العربي الأول نقلًا عن المنار بتاريخ سنة 1910 م ص 912 - 914 وإذا كان تاريخ هذا الكلام هوسنة 1910 فذلك لا يعني أنه ابن هذا التاريخ ، لم يأت مفاجئاً وإنّما كانت له جذوره والتي أطلعت ثمرها علناً منذ تأسيس تركيا الفتاة عام 1860 . . . لتعمل على تحويل العلاقة من جانب الترك طبقاً للمقياس القومي الاستعماري المستورد ، إلى علاقة استعمارية ، ومن الجانب العربي طبقاً لنفس المقياس إلى علاقة عدائية تدفع نحوالانفصال . . . ومن هنا كانوا حقاً أمل الدول الكبرى . . .