لروسيا دور بارز في زيادة حدة النزاع حتى وصل إلى الحرب . وانتهت الحرب باتفاقيّة « أرضروم » التي لم تؤدِ إلى حسم النزاع الذي ما لبث أن انفجر جزئيّاً عام 1844 وحينئذٍ بادرت بريطانيا بمشاركة روسيا إلى تشكيل لجنة لحلّ النزاع ثانية . هنا نلاحظ انَّ الدولتين الطامعتين ، قد أصبحتا في صلب الوضع بعد النزاع . ولذلك كانتا تلجآن باستمرار إلى حلّ بعض المشكلات المطروحة ، وتبقي بعضها لاثارتها في الوقت المناسب ، تمهيداً لمزيد من التدخّل . في هذه الأجواء اشتعلت حرب « القرم » ضدّ الدولة العثمانية بتخطيطٍ من روسيا ، فأشاع الإنجليز أنَّ إيران سوف تقف إلى جانب روسيا ضدّ الدولة العثمانية ، فبادر « نادرشاه » إلى تطمين السلطان العثماني ، ولكنَّ الإنجليز كانوا قد أقنعوا « رشيد باشا الكوز » والي بغداد العثماني بأن انضمام إيران إلى روسيا احتمال قوي ، فطلب من الإنجليز إرسال قوات عسكرية إلى العراق للدفاع عنه في نفس الوقت ، الذي كان فيه القنصل البريطاني في « بغداد » يحثّ حكومته على احتلال العراق ، ويؤكّد في تقاريره إلى حكومته أنَّ الأوضاع الداخلية في العراق تقتضي احتلال بغداد ، وهل يمكن أن تكون هذه الأوضاع الداخلية سوى امتداد أثر النزاع بين الدولتين إلى أنصارهما داخل العراق بتشجيع من الإنجليز دون شك ؟ ! هذا والذي حال دون تنفيذ الاحتلال في هذه المرحلة هوالتحالف المؤقت في مواجهة روسيا بين الدولة العثمانية والإنجليز . . . لم يحلّ نهائياً بل أجّل الاحتلال إلى فرصة أنسب « 1 » .
كلّ ذلك تمَّ على قاعدة الخلاف بين السنّة والشيعة ، أوتحت غطاء هذا الخلاف ، الذي يهوّله ويهوّل به الحكام طمعاً في تثبيت منصب ، ويستفيد منه الأعداء باستمرار . في عهد ( السيد جمال ) وبعد اغتيال « ناصر الدين شاه » على يد أحد أصدقاء السيد - ميرزا رضا - كتب « مظفرالدين شاه » إلى السلطان ( عبد الحميد ) محرضاً على السيد بأنَّه شيعي ، ويطلب تسلميه اليه لاتهامه بعلاقته بحادث الاغتيال . لقد رفض « عبد الحميد » الاستجابة للطلب « 2 » . ولكن توجيه الخطاب اليه يحتفظ بدلالاته ، وهنا لابدَّ أن نقيس الحاضر على
هامش
( 1 ) . الدكتور الشناوي - الدولة العثمانية ج 2 الفصل 26 .
( 2 ) . محمد عمارة - الأعمال الكاملة - ج 1 ص 24 .