وإخطاراً لهم بالوحدة ، أوالفناء يقول : « أنرضى ونحن المؤمنون ، وقد كانت لنا الكلمة العليا أن تُضرب علينا الذلّة والمسكنة ، وأن يستبد في ديارنا من لا يذهب مذهبنا ، ولا يرد مشربنا ولا يخدم شريعتنا ، ولا يرقب فينا إلَّا ولاذمّة ، بل أكبر همّه أن يسوق علينا جيوش الفناء ، حتى يخلي منّا أوطاننا ، ويستخلف بعدنا أبناء جلدته ، والجالية من أمته ؟ » « 1 » إنَّه يعيد المسألة إلى إطارها الحضاري ، إطار المنافاة الحضارية بين الاسلام وغير الاسلام ، ولا يقف عندها مجردة ، بل يرى إلى هذه المنافاة تتبلور لدى الغرب عدواناً ، والعدوان لا يقتصر على الحرب وابتزاز المنتصر فيها للمنهزم ، بل يتعدّى إلى الاستعمار ، الذي يفضي إلى الاستيطان « أقسى أشكاله » ، وهو يعني الاقتلاع وتوطين الآخرين ( من أبناء جلدته والجالية من أمته ) . . هكذا فعلوا أثناء الحروب الصليبية ، استوطنوا وأقاموا دويلاتهم على أرضنا ، وهكذا فعلوا في فلسطين ، ويفعلون في كلّ المستعمرات بنسب متفاوتة تعيّنها حاجتهم ، لا رغبتنا .
3 - أفق الوحدة المنشودة :
إنَّ أفق الوحدة في منظور الرجلين وطموحهما - كما هو في الاسلام - أفق الاسلام مداه في الأمة على امتدادها ، على امتداد « لا إله إلَّا الله محمد رسول الله » . حيث وصل الاسلام وحيث يصل . . . كان عبد الحميد يرى أنَّ جبهة المسلمين في الدولة العثمانية فقط لا تكفي ، ولذلك رأى ضرورة امتداد حركة الوحدة عملياً إلى مسلمي آسيا ، بما فيها آسيا الوسطى ، حتى يمكن الردّ من خلالها على الهجمة الاستعمارية ، ومن هنا أخذ يعمل على تدعيم أواصر الأخوة الاسلامية بين كلّ مسلمي العالم في الصين والهند وأواسط إفريقيا وغيرها « 2 » ، ويقف ملياً عند خصوصية إيران ليقول : « عدم وجود تفاهم مع إيران أمر جدير بالتأسّف عليه ، وإذا أردنا أن نفوّت الفرصة على الإنجليز ، وعلى الروس ، فأنّا نرى فائدة في وجود تقارب اسلامي في هذا الأمر » « 3 » .
هامش
( 1 ) . محمد عمارة - الأعمال الكاملة ج 1 ص 67 نقلًا عن العروة الوثقى .
( 2 ) . محمد حرب عبد الحميد - مذكرات السلطان عبد الحميد - ص 57 .
( 3 ) . محمد حرب عبد الحميد - مذكرات السلطان عبد الحميد - ص 57 .