عبد الحميد لا تنكر ، ولكن الحساب عليها يؤجل أو يخفّف عندما تقابلها إيجابيّتهُ في عدائه للغرب ، ورؤيته للوحدة الاسلامية أساساً في مقاومته ، والذين يقفون على أرض الوحدة والعداء للغرب يغتفرون هذه السلبيات من أجل الأهم في مصير الأمّة وكرامتها ، ومن هنا يطرحون المصير والوجود شعاراً يتقدّم على أيّ شعار آخر . الأجانب وتلامذتهم لا يرون الايجابيات ، أو يرونها ، ولكنّهم يذهبون إلى السلبيات يستعبدونها وينشرونها بعد تضخيمها ؛ ليتلافوا بذلك يقظة الأمّة على واقعها من الصنف الأول كان السيد جمالالدين . . . ولأنَّه كان مؤمناً ومسؤولًا اتجه إلى الآستانة . . . عند المفترق ، لا لكسب ، بل لله ، ودون أن يكون ذهابه إليها تأميناً على سلوك ومنهج حكّامها ، كان يرى الأمة مستهدفة بدءاً من الآستانة ، وانَّ الرّدّ على الأعداء يبدأ منها .
2 - القواسم الفكرية والسياسية بين الرجلين :
التقيا . . . لابدّ أن كلًّا منهما كان يتوسّم خيراً في الآخر . . . وإذا كان الخير من السيد مقطوعاً به فما الذي رآه السيد في السلطان ؟ بعد تعرفه عليه تذكر الحملات ضدّه ، والتي حاولت أن تصوره هزيلًا ، واهي العزيمة مشتّت الذهن وقال : « لو وزن بأربعة من نوابغ عصرنا لوزنهم » ، التقيا ، فما هي القواسم المشتركة التي جمعتهما ؟
يقول عبد الحميد : « انَّ الحملات الصليبية ضدّ الدولة العثمانية لم تتوقّف قط » « 1 » . .
هامش
( 1 ) . « وازدادت الروح الدينية الحربية تأججاً في نفوس العثمانيين عندما واجهوا تكتلات صليبية متعاقبة واسعة النطاق ضمّت عديد الدول الأوروبية وكانت البابوية في روما تتنادي إلى هذه التكتلات ، وكأنّ الحركة الصليبية التي شهدها الشرق الاسلامي منذ أواخر القرن الحادي عشر الميلادي حتى أواخر القرن الثالث عشر قد انتقلت من ميادينها إلى أوروبا » . الدكتور الشناوي - الدولة العثمانية - ج ( ص 10 ) .