راضياً ثمن هذه الجرأة ترحالًا مضنياً لم يكن يقف عنده ، لأنّه مسلم وديار الاسلام وطنه ، وعناء كان يتقبله بقلب مؤمنٍ ، وعزيمه ماضية .
نراه يُغضي لا لأنّه بدَّل في قناعاته وقيمه بل لأنّ الأخطار المحدقة بالأمة كانت تقتضي الاغضاء إلى حين . . . زوال الخطر ، والإمساك بزمام الأمور يُغضي ويذهب إلى الآستانة ثانيةً .
1 - اللقاء بعبد الحميد الثاني :
كانت ثانية رحلتيه إلى الآستانة في عهد السلطان عبد الحميد ، الذي قيل الكثير - أثناء حياته ، وبعد مماته - عن جوره ، واستبداده ، وفساده « 1 » . ليتبيّن فيما بعد أن الغرب والمتغربين كانوا وراء هذه الحملة ، لا إنصافاً للأمة ، بل كيداً لها . . . ذلك لا يعني أنَّ السلطان عبد الحميد كان مثال العدل . . . ولكنَّه لم يكن على الصورة ، التي قدّموها عنه ، وهم يحاولون أن يوحوا للجميع بأنّ الاستبداد والفساد متأصّلان في تركيب الحاكم الشرقي ، وأنَّ الاسلام لا يحول دونهما ، وأنَّ البديل هومنهج الغرب « 2 » . . لقد كانت سلبيات
هامش
( 1 ) . انظر الدكتور عبد العزيز الشناوي - الدولة العثمانية ج 2 الفصل ( 31 ) ص 1003 وما بعدها .
( 2 ) . « وإنَّ المدنية الأوروبية هي التي انتشلتنا من سباتنا العميق » وثائق المؤتمر العربي الأوّل - د . وجيه كوثراني - مقابلة جريدة « الكان » مع عبد الحميد الزهراوي ( مصري ) ص 21 . . . ومن خطبة عبد الحميد الزهراوي في الافتتاح « الغرب اليوم مقتدى الشرق ومهما أردنا أن نقول : انَّه يجب على الشرقي أن يحتاط فيما يريد أخذه من بدع الغرب فإننا لا نستطيع إن ننكر إن عدم اقتباس الشرقيين شيئاً من مسائل حرية الغربيين فيه الكثير من الخطر ، وبذلك يكون علينا واجب الشكر لأساتذتنا . . . أولئك عرفوا كيف توضع أسس حقوق البشر . . . أوروبا قدّست الحرية وعشّقت تلاميذها بها وإن كان يوجد فيها من يستبعدون وصولنا في هذا السبيل إلى غاية ، فحسبهم أن يتذكروا عصورهم السالفة » . نفس المصدر ص 33 - ويقول سلامة موسى : « علة الأقطار العربية ورأس بلواها أننا ما زلنا نعتقد أنّ هناك مدنية غير المدنية الأوروبية فلا نتقبل مبادئ البرلمانية الديموقراطية والاشتراكية ، هذه المباديء التي لم تعرفها آسيا الاستبداد الأوتوقراطي في الحكومة والدين والأدب والعلم مع أنَّها لبٌ النجاح القومي » عيسى النصراوي - مجلة الطليعة عدد 11 ص 50 . وفي خطاب موجّه إلى الخديوي توفيق يقول السيد رأيه الفصل في موضوع الحكم البرلماني : « إنَّ القوة النيابية لأيّ أمة كانت لا يمكن أن تحوز المعنى الحقيقي إلَّا إذا كانت من نفس الأمة ، وأيّ مجلس نيابي يأمر بتشكيله ملك ، أوأمير ، أوقوة أجنبية محركة له ، فاعلموا أنّ حياة تلك القوة النيابية الموهومة موقوفة على إرادة من أحدثها . . . . فمقدمات مجلس نيابي قوته المحدثة له خارجة عن محيط الأمة ، والمحدث له قوة خارجة عن الأمة ومجلسها . . . فمقثل هذا المجلس لا قيمة له ، وكما انَّه لا يعيش طويلًا ، كذلك لا يغني عن الأمة فتيلًا . . . وأعظم أماني الشعوب المملوكة التملص من ربقة الأجنبي وحكمه » . محمد عمارة - الأعمال الكاملة - ج 2 ص 330 .