والحملات الصليبية تعني : حرب الغرب ضدّ الأمة الاسلامية لاستعمار ديارها وتجزئتها ، واستيطان مواطنها ، والامساك بحواضر العالم الاسلامي ، والمفاصل الأساسية منها ، بشكل خاص ، لما لها من وهج تاريخي ، ومن اشعاع روحي وحدوي في أوساط الأمة . يقول « غاردنر » : « انَّ الحروب الصليبية لم تكن لإنقاذ القدس . . . انّها كانت لضرب الاسلام » « 1 » والاستيلاء على القدس تأتي أهميته من كونه ضرباً للاسلام وقاعدة لمواصلة الضرب . ينقل عبد الحميد عن صحيفة « ستاندرد « الإنجليزية قولها : « يجب أن تصبح الجزيرة العربية تحت الحماية الإنجليزية ، ويجب على « إنجلترا » أن تسيطر على مدن المسلمين المقدَّسة » « 2 » .
إنجلترا ؟
لأنّها السيدة الإمبريالية . . . ذلك لا يعني انَّها وحدها ، أو أنَّ الأخريات على وفاق تام معها ، ولكن عندما يكون الاسلام هو الهدف المشترك ، والعدوان عليه محكوم بخلفية حضارية واحدة ، فانَّه كفيل بتوحيد المتنازعين فيما بينهم . . يقول عبد الحميد : « إنَّ الإنجليز والفرنسيين والروس والألمان والنمساويين ، أيّ كل دول أوروبا الكبرى وجدت مصلحتها تقسيم الدولة العثمانية وتفتيتها ، والمشاهد أنّ هذه الدول الكبرى تنهش في بعضها البعض ، ولكنّها سرعان ما تتفق وتتحالف إذا ما تعلّق الأمر بمقاتلة العثمانيين ، أمّا ما لا تتفق عليه فهو : من سيحصل على نصيب أكبر في أراضي الدولة » « 3 » ! إنَّ هذا الكلام يعيد إلى الذاكرة بداية الحروب الصليبية ، وكيف تصالح الغرب المتناحر تحت رعاية الكنيسة على طريق الشرق . هكذا كان السلطان عبد الحميد يرى الأخطار « 4 » .
وبدوره كان السيد جمالالدين يراها ، ويرسم مؤشّراتها ، ويعتبرها إنذاراً للمسلمين ،
هامش
( 1 ) . طارق شريف - الطليعة الاسلامية - لندن - العدد 10 ص 46 .
( 2 ) . محمد حرب عبد الحميد - مذكرات السلطان عبد الحميد الثاني - ص 8 .
( 3 ) . المصدر السابق ص 58 .
( 4 ) . يقول محمد جميل بيهم : ( انَّ السبب وراء هزيمة روسيا عام 1905 أمام اليابان رغم عدم التكافؤ عدداً وعدة هوأنّ الروس كانوا متحمسين لقتال العثمانيين لا اليابان ) . محمد جميل بيهم - أسرار ما وراء الستار .