إلى الآخرة يجلب ضرراً على دنيا البعض من أهل الدنيا . . . يؤيّد فرضيتنا هذه جوابه لأبيه عندما طلب إليه البقاء في إيران لدى مروره به في « أسدآباد » حيث قال : « انّني كصقرٍ محلّقٍ يرى فضاء هذا العالم الفسيح ضيقاً لطيرانه ، وانّني لأتعجّب منكم ؛ إذ تريدون أن تحبسوني في هذا القفص الضيّق الصّغير » « 1 » .
كان يرى ترامي ديار الاسلام ، ويرى فضاءها مجالًا لتحليقه ، ويرى الاسلام ، والهموم الاسلامية جوازاً لمروره . . . كما كان يرى إلى هذا الفضاء الرّحب كيف تتكاثر ، وتتكاثف حوله وعليه الغيوم ، غيوم الغرب ، غيوم الحقد والطمع ؛ لتباعد بين أجزائه ، وتحجب الرؤية عن أطرافه ، من هنا جاء تطوافه فيما بعد في ديار الاسلام ، وفي المناطق التي كانت على تماس مباشر ووثيق مع أوضاع المسلمين ومصيرهم « 2 » . . لقد اختار الهند في بداية رحلته ، ومن ثمَّ يلاحظ انَّ الأقاليم التي استقطبته أكثر من غيرها ، وليس على حساب غيرها ، بل من أجل هذا الغير أيضاً ، هي : ( الهند وإيران ومصر وأفغانستان والآستانة ) . . . على أنَّ عمره لو كان عادياً في الرجال ، لما كان كافياً لولا كثافته لأن يصبح علامة في تاريخ هذه الأقطار .
2 - دليله في ترحاله :
لماذا اختار الهند بداية ؟ عندما قدم مشروعه السياسي التنظيمي إلى السلطان عبد الحميد الثاني متوخياً أن يكوِّن أرضية للوحدة الاسلامية والجهاد ، ركّز على أنَّ الإجراءات الاصلاحية ، التي تُتخذ في بعض الأقاليم الاسلامية ، سوف تجتذب غيرها من
هامش
( 1 ) . ( محمد عمارة - جمالالدين الأفغاني - الأعمال الكاملة - المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت / الطبعة الأولى 1979 م - الجزء الأول - ص 29 ) .
( 2 ) . هناك من يحدد خط سيره بادئاً من أفغانستان إلى قزوين ، وهناك من يبدأ من قزوين - طهران - النجف الأشرف - أسدآباد - بوشهر - بومباي - كلكتا - مكة المكرّمة - النجف وكربلاء - أسدآباد - طهران - خراسان - كابل - الهند - السويس - القاهرة - الآستانة - مصر - بومباي - كلكتا - لندن - باريس - لندن - باريس - الجزيرة - إ يران - القوقاز - موسكو - بطرسبرج - ميونيخ - موسكو - طهران - العراق - لندن - الآستانة .