تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
أن تثبت أصالة الوحدة في وعيها وتكوينها وطموحها . من هنا يأتي اهتمامنا بالسيّد جمال‌الدين الذي يمثّل الاسلام والأمة والتاريخ من حيث كون الوحدة في تكوينه ، يبذل دونها الوسع ، وإذا لم يصل لا ييأس ولا يتوانى . . . ويصبح منهجه الصّحيح وفعله النزيه منارة تضيء طريق السّالكين إلى الوحدة . . . وفي حين تقف بعض الجزئيات في تاريخه حجّة لدعاة التفرقة ، فإنّ المخلصين الموضوعيين يستطيعون برؤيةٍ علميّةٍ هادفةٍ أن يؤكّدوا : انَّ هذه الجزئيات ليس بأمكانها أن تخدش شخصية الرّجل ومنهجه بل هي بخلفياتها وغاياتها تندرج في هذا المنهج ، ولا تنفصل عنه . . . على أنَّ السيد ليس وحيداً ، بل هو واحد من كثير في تاريخنا لم يقصروا في هذا السبيل ، وميزته أنَّه طبقاً لوعيه بالأمة وظروفها وتوجّهات ونوايا أعدائها في فترة معقّدة من تاريخها سجّل كثيراً من التنازلات ، تجاوز ذاته وشخصه صيانةً للكرامة والعزّة التي لم يرها بعيدة عن الوحدة ولم يرَ الوحدة دون الجهاد ضدّ أعدائها . . . بذلك اختطّ نهجاً لابدَّ لدعاة الوحدة الحقيقيّين أن يلتزموا به ؛ حيث يصبح الالتزام به مقياساً لصدق النوايا . ومن هنا كان تركيزنا في هذا البحث على تبيان موجبات ومسبّبات وغايات العلاقة التي نشأت بين السيد والسلطان عبد الحميد الثاني ، ولسوف نعرض خلاله إلى القيم الفكريّة والوعي السياسيّ المتماثل لدى الرجلين ، ممَّا أدى إلى اجتماعهما ، والى التداخلات التي وضعت حداً لهذا الاجتماع ، ممَّا كان ذا تأثير سلبيّ واضح على واقع الأمة ومصيرها . . . وهنا نسارع إلى القول : بأنَّنا لم نحمّل السيد مسؤوليةً في ذلك . . . بل اعتبرنا عبد الحميد هوالمسؤول ، وليس هذا حكماً أخلاقياً محضاً بل هورؤية للظروف الموضوعية ، سلباً وإيجاباً ، ونظرة إلى غلبة الوعي الإسلامي على عبد الحميد في لحظة ما ، ممَّا مكّنه أن يرى الأخطار في التجزئة والاستعمار ، ويسعى لمواجهتها على أساس الوحدة . . . ولكن ظروفاً موضوعية أخرى تتّصل بتاريخ السلطة وبنيتها وطبيعة السلطان والمؤسسات الحاكمة ؛ جعلته ينعطف ليحبط مسعاه ، وليأتي هذا الانعطاف السلبي علامةً على الانهيار ، الّذي جرف عبد الحميد فيما جرف وجرف الدولة ، المركز ، وحوَّل الأطراف إلى شظايا توزّعها الأعداء من هنا كانت اللحظات الوحدويّة عند عبد الحميد جزءاً من