هناك ما يدلّ على أن المسألة أبعد من مجرّد التقدير لعالم كبير ، ويشير إلى الدور الأساس الذي كان متوقعاً له ومحدَّداً بالتوافق معه . فقد كانت هناك - مثلًا - أزمة مستعصية بين السلطة العثمانية وبين اليمن ، جعلت اليمن تبقى خارج الكيان السياسي ، وقد حاول كثير من المسؤولين حلّ هذه الأزمة فلم يفلحوا ، ثمَّ لاحظ كبار رجال الدولة عزماً لدي السلطان على تكليف السيد بالمهمّة ، وقدّروا نجاحه فيها ؛ فسعوا لدى السلطان لإقناعه بالعدول عن هذا التكليف « 1 » .
في هذه الفترة ، كانت السلطة مخترقة بالاعداء والعملاء . . . كانت تركيا الفتاة - قبل الخروج إلى العلن - والعثمانيون الجدد قد تغلغلوا مع الماسونية ، ومن خلالها في مفاصل السلطة والقصر « 2 » ، ومن جهة أخرى كانت الحاشية تواصل انحدارها ، والتقاطها لجراثيم الفساد الفكري والسلوكي ، الذي بلغ مداه في عهد عبد العزيز ، وجعل هذه الحاشية ترى في جمالالدين خطراً لابدَّ أن تسارع إلى الوقاية منه ، وهنا نقل شيخ الاسلام حسن فهمي أفندي إلى عبد العزيز وشايةً مضمونها أنَّ السيد صرَّح بما يوجب الشّك في سلامة عقيدته ! كما نقل آخرون إلى السلطان كلاماً عن السيد مضمونه : انَّ الرسالة والنبوَّة أمران كسبيان « 3 » . . ممَّا يعني أنَّ السيد دخل مبكّراً في الصراع مع الحاشية بعدما أدركت توجّهه ، وأدرك خطرها على الأهداف المطروحة وهي الوحدة والجهاد ضدّ الاستعمار ، وكان قد بلغ من القوّة - إضافةً إلى ثقته بخطّه ونفسه - حدّاً جعله يطالب بمحاكمة شيخ الاسلام وجعل العلماء والمفكّرين ينقسمون حوله بين مؤيّد ومعارض ، فطلب اليه عبد العزيز مغادرة الآستانة تجنّباً للاثارة . . . أوخروجاً من نواياه وعدولًا عن رأيه ! « 4 » استدعاه ليستقوي به كسلطان على قاعدة الأمنيات ، التي تدور بين جنبيه ، ثمَّ اكتشف أنّ الرجل جادٌ ، وصعب المراس ، وكثير الكلفة بحساب السَّلاطين . . . وانَّه لن يكون خادماً إلَّا للأمّة . . . فاغتنمها فرصةً وأخرجه .
هامش
( 1 ) . المصدر السابق ج 1 - ص 31 .
( 2 ) . محمد حرب عبد الحميد - مذكرات السلطان عبد الحميد الثاني - دارالأنصار - القاهرة ط 1 / 1978 - ص 5 .
( 3 ) . محمد عمارة - الأعمال الكاملة - ج 1 ص 32 .
( 4 ) . محمد عمارة - الأعمال الكاملة - ج 1 ص 32 .