تاريخنا لا نتجاوزه ، ولا نهمله ولا ننكره . ولكن منهج السيد جمالالدين الوحدوي أصبح منهجاً لنا نقضي به العقيدة ، كما تحتمه الضرورة ، ويحكم بصحته التاريخ ، ويستدعي اتباعه حاضرنا ومستقبلنا « 1 »
- اللقاء الأول - أوالمؤشّر - مع السلطان عبد العزيز
1 - السيد جمالالدين والتكوين الوحدوي :
عام 1270 ه - . 1853 م غادر السيد جمالالدين الحسيني مدينة النّجف الأشرف بعد أربع سنوات قضّاها في طلب العلم . . . غادرها بعد نصيحة من علَّامتها الأنصاري إثر مكيدة دبّرها البعض ضدّه « 2 » . وإذا أخذنا في الاعتبار أنَّ ولادته كانت سنة 1254 ه - . يكون عمره عندما غادر النَّجف سبعة عشر عاماً ( 17 ) فما الذي استدعى أن ينشغل البعض ليدبّروا مكيدة لهذا الفتى ؟
نقطع - طبقاً لسيرته - بأنَّه في هذه السنّ قد أظهر نضجاً فكرياً تجاوز سني عمره ، ممَّا جعله طرفاً بالنسبة للعلماء - سلباً وإيجاباً - ونظنُّ أنَّ السبب المباشر - طبقاً لسيرته أيضاً - كان تطلّعه إلى الوحدة الاسلامية ونزوعه إلى مقاومة الاستعمار ، وذلك يفترض فيه أن يثير كوامن الميّالين إلى الدّعة والمهادنة حتى يكيدوا له . . . . ودائماً كان في النجف وفي غيرها من الحواضر العلمية الاسلامية من لم يستطيعوا أن يعطوها الوجه الذي أرادوه لها . . . وظلّ هذا الوجه نظيفاً مقاوماً وشريفاً . . . وراء ذلك لا نجد سبباً أعمق ، خاصةً وأنَّ السيد فيما عرف عنه لدى الجميع لم يكن ميَّالًا إلى الدنيا « 3 » . وإن كان ميله
هامش
( 1 ) « وفي أواخر القرن التاسع عشر قدم السلطان نفسه خليفة لجميع المسلمين ، وذلك في محاولة أخيره في صمود الدولة العثمانية العاجزة أمام الاختراق الأوروبي للمجتمعات الاسلامية كافة . . . وقد أيد الفقهاء صمود السلطان في هذا الجانب وإن عارضه الفقهاء المجددون في جانب سياسته الداخلية الاستبدادية ، انطلاقاً من مبدأ الشورى الاسلامي ، ولعل أبرز من مثل هذا الموقف هوجمالالدين الأفغاني الذي رأى في السلطنة العثمانية اطاراً صالحاً لتوحيد المسلمين والوقوف في وجه الخطر الغربي ، شرط محاربة الاستبداد الفردي » .
- الدكتور وجيه كوثراني - وثائق المؤتمر العربي الأول - دار الحداثة - بيروت 1980 ، ص 22 .
( 2 ) . هومرجع النجف ، وأستاذ حوزتها الشيخ مرتضى الأنصاري ، الذي تتلمذ عليه السيد هذه السنوات الأربع ، وعندما اكتشف المكيدة أمّن للسيد وسائل السفر ومرافقاً من خواصّه « وثائق ومدارك حول السيد جمالالدين أسدأبادي - صفات الله جمالي » ( ص 47 ) .
( 3 ) . كان قليل الطعام ميّالًا إلى الحامض أكثر من الحلو . . . . وعندما يتناول ضيوفه طعامهم يبذل لهم السكاكين ، والملاعق ، ويستخدم هوأصابعه الخمس . . . وعندما أراد السلطان عبد الحميد تزويجه بإحدى بنات السراي رفض وكان يقول : « يريد السلطان أن يزوجني ماذا أصنع بالمرأة ؟ وأنا لم أتزوج هذه الدنيا على جمالها ! » المصدر السابق ( ص 155 ) .