الذين نجوا بأرواحهم من ذلك المكان المتعفّن الرطب » « 1 » .
اننا لن نستطيع فهم سيكولوجية الكرماني التي اندفع فيها بشجاعة هائلة لقتل ناصر الدين دون أن نمرّ بكل الذي ذكرنا نماذج منه فيما مضى . صحيح أنّ الأفغاني قد حرّضه على هذا العمل ، ولكن الأفغاني قد حرّض الإيرانيين جميعاً من خلال مناشيره السرية التي كان يبعث بها من خارج الحدود . فلماذا الكرماني وحده هو الذي استجاب ؟ تحدّث الكرماني في مرحلة من التحقيق معه بعد قتله للشاه عن العذاب الذي رآه في سجن ( انبار ) . ما هو العذاب الذي يصب على الناس في هذا السجن ؟ إنّ محيط ما في يقول : « إنّ صرخات المعذّب تبلغ عنان السماء ، حيث يصيح : لا علاقة لي بفلان . فإمّا أن يموت أو يدفع مبلغاً من المال فيطلق سراحه » « 2 » .
تقول السائحة الا يطالية كارلاسرنا : « سنحت لي في أحد البيوت بطهران فرصة الحديث مع أشخاص عاديين ممن دخلوا السجون وشاهدوا ما وصفوه لي ، مما لو رويته بأسره لكم لوضعتموه في باب ( السيّاح كثيرو الكذب ) » « 3 »
إنّ السجون على عدة اقسام ، وجميعها في وضع مثير جداً للشفقة . إلّا أنّ السجون الأكثر عدداً هي تلك الموجودة في بيوت كبار الشخصيات والأعيان . إنّ كل إيراني من الأعيان يعتقد أنّه إن لم يحاكم بنفسه افراداً ويعاقبهم فان منزلته الاجتماعية ستقل .
كانت النتيجة لذلك أنّ كل شخصية من الأعيان أعطى لنفسه - بدون حقّ - الحقّ في معاقبة المقصرين ، ووضع أرجلهم في الفلقة ، أو سجنهم تحت مراقبة حاشية في بيته .
في النهار يوضع السجناء في السراديب ، وهم مقيّدو الأرجل والأيدي والأعناق بسلسلة من الحديد ، أمّا في الليل فتقفل تلك السلسلة مع حلقة حديد ثابتة بحيث لا يستطيعون الحركة إطلاقاً . . مع كل هذا الوضع السئ للسجناء فانّه أفضل من وضع
هامش
( 1 ) . مقدمات مشروطيت ، ص 61 .
( 2 ) . نفس المصدروالصفحة .
( 3 ) . بحسب اطلاعنا على مصادر الفترة القاجارية وحكم ناصر الدين بالذات فليس في كلام هذه السائحة شيء من الكذب وكثير منه مذكور في مصادر إيرانية وغير إيرانية .