المتمسّكين بها ، ويجب الابتعاد عن الزينة الظاهرية والركض وراء الدنيا وشهواتها ، من خلال هذه النظرة بادر السيد الأفغاني إلى تأسيس حزب سمّاه ( الحزب الوطني الحر ) سعى من خلاله لتشجيع الافراد المنتمين اليه على سلوك الاخلاق الفاضلة واصلاح النفوس ، وجذب الآخرين اليه ، ونشر حبّ الخير والمساعدة بين طبقات الشعب .
والحقيقة أنّ الذي أسسه الأفغاني ليس حزباً بالمفهوم السياسي الحديث ، بقدر ما كان تجمّعاً أو جمعية خيرية ذات أصول دينية ، أي دعوة الناس للإسلام والتمسّك بتعاليمه وفرائضه من خلال تشجيع أعضائه على مساعدتهم للناس من التشدّد في الزهد والابتعاد عن الدنيا ، حيث اشترط الأفغاني شرطين على الأعضاء المنتمين :
الأول : أن يقوموا ببيع الآثاث اللوازم الزائدة عن الحاجة والتي تعتبر من الكماليات في السوق ، وايداع المبلغ الحاصل في صندوق ( الحزب ) .
الثاني : أن يتعهّد العضو بقراءة حزب واحد من القرآن في اليوم على الاقلّ .
وقد تكون الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تسود المجتمع المصري آنذاك أثرها في تفكير الأفغاني ، حيث كان التباين الفاحش بين الثروات التي يكسدها بضعة إقطاعيين ، والملايين الكادحة من الشعب المصري التي لا تجد القوت اليومي . إضافة إلى استشعار الأفغاني بالخطر من غزو الحضارة الغربية وانتشار مفاهيمها بين الطبقات المثقفة ، فأراد انتشال المجتمع من هذه الثقافة المنحطّة ، وأن يغرس فيهم مبادئ الاسلام الأصيلة لتستطيع بناء الأسس اللازمة للشخصية القوية التي لاتهزها الأزمات ، ولاتزلزلها المشاكل والصعوبات . وكان يلزم أعضاء الحزب بتسجيل كلّ أعمال الخير التي يقوم بها ، من إقامة الفرائض والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والاحسان بالفقراء وقضاء حوائج الناس ، وعيادة المرضى ، وأداء الحقوق المالية في الاسلام وغيرها . « 1 »
ومع أنّ ( الحزب الوطني الحر ) لم يكن حزباً سياسياً ، واقتصرت نشاطاته على المسائل الاجتماعية والفكرية ، إلّا أنّه أقلق الدوائر الاستعمارية ، وخاصة البريطانية التي كانت
هامش
( 1 ) . المصدر السابق ، ص 264 .