أعلنت الحكومة المصرية عجزها عن تسديد ديونها لهاتين الدولتين ، حيث أصبح في الوزارة وزيران أجنبيان أحدهما فرنسي والآخر بريطاني « 1 » . إثر ذلك شعر الأفغاني بأنّ الخديوي إسماعيل عازم على تسليم مصر بأيدي الأجانب ، فأخذ يطالب يخلعه ، وسلك كل الطرق لتحقيق ذلك ، فبالإضافة إلى استثارته الجماهير ، قابل رئيس الوزراء شريف باشا ونصحه بأن يحمل إلى الخديوي رغبة الناس في تنازله عن العرش « 2 » .
ولقد أثار بعض الكتّاب « 3 » الشبهات والتساؤلات حول تلك القضية بعد أن عزل الخديوي بأمر من السلطان عبد الحميد في 26 / 6 / 1879 ، حيث أشاروا إلى وجود علاقة وارتباط بين الأفغاني وجهة أخرى كان لها مصلحة في عزل الخديوي .
شعر الأفغاني بأنّ إحدى العقبات قد أزيلت من تحقيق الاصلاح بعزل الخديوي إسماعيل ، فأراد أن ينفذ بقية أفكاره الاصلاحية ، والتي تتتمثل بمشاركة الشعب في صنع القرار وإدارة شؤون البلاد ، وذلك عبر صياغة دستور جديد وتأسيس نظام نيابي يتمثّل بمجلس الشورى ، فقابل الخديوي الجديد توفيق ، محاولًا إقناعه بذلك ، شارحاً له فوائد هذا النظام على تقدم واستقرار البلاد ، وإنّ من الخير أن يشارك الأمة في إدارة البلاد « 4 » . لقد أراد الأفغاني أن يتفادى حالة الصدام بين الأمة والحكومة والتي كانت ستنفجر في يوم ما اثر المظالم التي تتزايد والنهب الاستعماري الذي تكالب على مصر ، ولكن الخديوي شعر بالخطر على سلطانه وصلاحياته المطلقة من تأسيس برلمان واجراء انتخابات ، فأمر بطرد الأفغاني وتسفيره على ظهر باخرة كانت متوجّهة للهند .
لقد أراد الأفغاني أن يحقق قسطاً من العدالة للناس مقلّلًا من حجم الاستبداد الذي
هامش
( 1 ) . لمحات اجتماعية ، ص 722
( 2 ) . المصدر السابق ، ص 279 .
( 3 ) . آثار د . علي الوردي ، هذه المسألة في حديثه عن حياة جمال الدين الأفغاني ولم يستطع أن يدعم قوله بدليل واحد .
( 4 ) . خاطرات جمال الدين الأفغاني ، للشيخ محمدعبده ، من اصدار دار الهلال ، ص 62 ، وكذلك لمحات اجتماعية ، ص 314 .