في الهند مرة أخرى
استقر الأفغاني في الهند هذه المرة ثلاثة أعوام ، دخل في معترك الصراع الفكري القائم آنذاك بين التراث الديني للمسلمين والغزو الأوروبي بحضارته وأفكاره وقيمه الجديدة ، وقد وقف الأفغاني بكل صلابة مدافعاً عن الاسلام وتعاليمه ، موضّحاً أهدافها وغاياتها ، ووقف بحزم أمام التيار التوفيقي الذي كان يقوده السيد احمد خان الذي حاول أن يجمع بين الدين من جهة والحضارة الأوروبية من جهة ، داعياً المسلمين لتبنّي قيمها واخلاقها وأفكارها ، وقد أحدثت أفكار احمد خان ضجة كبرى حتى هاج رجال الدين والعامة ضده « 1 » .
وقد سمّى حركته بالدهرية ( من الدهر ) أو ( الطبيعة ) . ولمّا وصل الأفغاني للهند كان يتوقع الجميع أن يقف إلى جانب السيد احمد خان باعتباره يحمل أفكاراً عصرية مثله ، وأنّه يؤمن بالعلوم الحديثة ، ولكنّه لم يفعل ذلك ، بل فعل الضد منه ، وقد ألّف كتاباً أسماه ( الرد على الدهريين ) واتهمه وأتباعه بالعمالة للبريطانيين ، وترويج أخلاقهم السيئة لافساد عقائد المسلمين ، ولكي يزيل منهم الاعتزاز بدينهم فتخمد حياتهم ويتبدد شملهم ، وبذلك تكون الغلبة للانكليز عليهم « 2 » .
ولم يقتصر في ردّه على الدهريين ، بل تعرّض لجميع المبادئ الحديثة ؛ كالداروينية والاشتراكية والشيوعية . وقد لاقى كتابه رواجاً كبيراً بين المسلمين لأنّهم كانوا بحاجة إلى وقفة قوية أمام هذه الافكار الواردة .
ولقد ورد في الكتاب بعض التوقّعات السياسية التي تنبأ بها السيد الأفغاني ، فقد تطرّق للتقدم والتمدن الذي ستحوزه اليابان بعد أن استطاعت ان تقهر روسيا القيصرية في الحرب . وان تلك المرحلة هي مقدمات لاضمحلال الإمبراطورية الروسية . كما أشار إلى أنّ الافكار المادية تنتشر في روسيا بسرعة ، وأنّها ستحدت تغييرات وتشعل النار في تلك البلاد ، وحدث ما توقّعه ، حيث قامت ثورة أكتوبر عام 1917 على يد الشيوعيين
هامش
( 1 ) . زعماء الاصلاح لاحمد امين ، ص 125 .
( 2 ) . لمحات اجتماعية ، ص 285 .