وإثر توالي هذه التقارير على عواصم النفوذ الاستعماري ، والتي بلا شك زرعت في قلوبهم الخوف والقلق ، ورأوا أنّ جهود قرون ستذهب أدراج الرياح فيما لونهض لقيادة المسلمين من ينهج الاسلام وتعاليم القرآن ، فلم تنم لهم عين ، ولم يغمض لهم جفن ، حتى أصدرت الدائرة العرفية في مصر أمراً بطرد الأفغاني واعتقال أعضاء الحزب ، وطرد الآخرين من وظائفهم ، لتنتهي بذلك تجربة رائدة في العمل الاسلامي قبل قرن من الزمان .
ويشير بعض الكتّاب إلى أنّ الأفغاني بعد تأسيسه للحزب الوطني الحر أخذ يقابل الوزراء والقناصل ومراسلي الصحف الأجنبية ، يحدّثهم باسم الحزب ، وقد ترجمت مقتبسات من أقواله في الصحف البريطانية في لندن ، مما جعل بعض وزراء بريطانيا يهتمون بها ويتناقشون حولها » . « 1 »
كما أنّ وثائق وزارة الخارجية البريطانية تشير إلى احساس القنصل البريطاني بخطر السيد الأفغاني على مصالح بريطانيا ، حيث كتب عنه « لقد علمت من الخديوي توفيق بأنّه منذ مدة لفت انتباهه نشاط يقوم به أفغاني يدعى جمال الدين ، يثير في الناس الحماس نحو الثورة والعصيان . . . ولا زال مصرّاً على عقد جلسات سرية ليبثّ فيها تعاليمه الضالة مما جعل الخديوي يضطر إلى انذاره بوجوب مغادرة مصر خلال 24 ساعة . . . إنّ رصانة منطقه وقوة خطابته تجعل المستمعين له تحت تأثيره ، ولا يزال يثير الحماس ضد الأوروبيين وخاصة الانكليز حيث يظهر حقداً دفيناً تجاههم » « 2 » . ويعتبر البعض أنّ هذا الحزب هو الأب الشرعي لثورة عرابي عام 1881 حيث كان يضم وجوه الرأي والفكر وأحرار السياسة والجيش . « 3 »
هامش
( 1 ) . لمحات اجتماعية ، ص 279 .
( 2 ) . في تقرير كتبه فرانك لاسل المندوب السياسي البريطاني إلى وزير الخارجية سالسبوري وذلك في 30 / 2 / 1879 ، يراجع السيد جمال الدين وأفكاره ، ص 177 و 178 .
( 3 ) . مجلة العالم ، عدد 55 ، لندن .