كان يتّسم به السلاطين والملوك ، ولعلّه أراد بالنظام النيابي أن يبني الأسس الأولى لإصلاح شامل ، ولكن قد لا يعدو ذلك سوى نوعاً من التزقيع ، فقد تأسّس النظام النيابي في مصر بعد ذلك ، وكما توقّع ، ولكن لم تتغيّر أحوال المجتمع ولا تحسنت أوضاعه المادية والمعنوية ، فهولم يهتم بكليته بالجماهير المستضعفة وتوعيتها باعتبارها المادة الرئيسية لأيّ تحرك ثوري ، فكان يرى بامكانية التعايش مع هذه الأنظمة الاستبدادية ، أو على الاقلّ تحييدها في الصراع بين الأمة والاستعمار الخارجي ، لكنّه لم يوفق في ذلك . لقد كان يريد لحركته الاصلاحية أن يقوم من خلال المفاصل الحيوية في النظام ، فاعتمد نصيحة الملوك والسلاطين علّهم يرعوون ، ولكن يبدو أنّه لم يوفق في ذلك أيضاً ، وكان يحاول إيصال أفكاره الثورية لعلماء المسلمين باعتبارهم القاعدة الجيدة لمكافحة الاستعمار والدكتاتورية . « 1 »
فاستطاع التأثير بصورة خاصة على علماء الشيعة ، حيث إنّهم كانوا يتمتعون بموقع ومركز جيدين في نفوس جماهيرهم التي تطيعهم وتسمع لما يقولون .
ولعلّ القوى الاستعمارية شعرت بخطر أفكار الأفغاني فحاولت أن تضع العوائق بينه وبين الناس ، وأن تشكّك الحكومات بنواياه ، فقد كان للقنصل البريطاني ( مستر فيفيان ) دور كبير في إثارة الخديوي توفيق عليه حتى أمر باخراجه . « 2 »
الأفغاني والأحزاب السياسية
يبدو أنّ الأفغاني كان يشعر من بعيد بأنّ التغيير الكامل الذي كان يرغب به لا يتحقّق بنصح السلاطين فقط ، بل يجب السعي لايقاظ الجماهير وتوعيتها باستخدام كل الوسائل الممكنة ، فكان يرى أنّ الأحزاب السياسية هي واحدة من هذه الوسائل حيث أنّ ( تأسيس الأحزاب السياسية في الشرق أفضل وسيلة لتقدم الأمم الاسلامية ، وهي
هامش
( 1 ) . الحركات الاسلامية ، ص 25 .
( 2 ) . الثائر الاسلامي جمال الدين الأفغاني ، للشيخ محمد عبده ، من اصدار دار الهلال ، ص 62 وكذلك لمحات اجتماعية ، ص 283 .