دون أن ندخل في تفاصيل الاستنتاج ، ويتعلّق هذا الاعتبار في رأينا بفشل رهانه على وحدة اسلامية في الأفق المنظور ، وشعوره بضغط الحالة الاستعمارية التي تستدعي ردوداً ممكنة وواقعية .
لقد سبق أن أشرنا إلى أنّ الأفغاني أسس - مع مريده الشيخ محمد عبده - جريده « العروة الوثقى » لتكون ناطقاً باسم تنظيم سياسي اسلامي . وأنّه راهن - إلى جانب هذا التنظيم - أيضاً على إيران والدولة العثمانية عساهما ينهضا بمهمة الوحدة الاسلامية . لكن هذه الرهانات سرعان ما بدأت في التلاشي : توقّفت « العروة الوثقى » ، وصدم الأفغاني من موقف الشاه والسلطان العثماني ، فيما كان قد وطّد الاحتلال الاستعماري ركائزه في العديد من البقاع الاسلامية ، وتداعى التضامن بين المسلمين ، وبدأ الاستعمار يوظّف التعبيرات القومية في سياسته ( الهند ، المشرق العربي . . . ) وأخذت الآمال العظيمة التي بناها « السيد » تخفت ويخفت معها رهانه على الوحدة الاسلامية .
كانت مصر في هذه الفترة قد تعرّضت للاحتلال وكانت قد أعطت تجربة فذّة في النضال ( ثورة عرابي ) ، وكانت فوق هذا وذاك البلد الذي اعطى الأفغاني آمالًا أخرى عظيمة . أليست هي معقل العروبة ، وقلب الجغرافيا العربية ، وحاضنة أكبر قواها البشرية ، ومهد التجربة التحديثية مع محمد علي وإبراهيم باشا ( التي نوه بها الأفغاني في أكثر من مناسبة ) ؟ إنّها فعلًا كل هذا كما رآه وأدركه ، لذلك رأى في عاصمتها تلك التي ستصبح « كرسي مدينة لأعظم الممالك الشرقية » « 1 » ، ولذلك عقد عليها الآمال وخصّها بأعظم نصوصه السياسية .
فنحن نرى في هذا الانتقال في الرهان ، من رهان على تركيا وإيران إلى رهان على مصر وشعبها ( وربما الخديوي ايضاً ) ، ما يفسّر سياسياً حضور المسألة القومية في فكره
هامش
( 1 ) . الخاطرات .