هنا أن نعرض بوجه عام الأسباب التي دعته إلى طرح وصوغ مواقفه تلك في محطاته المشار إليها أعلاه ، لننتهي إلى تسجيل بعض الخلاصات المتعلّقة بالموضوع ، وذات العلاقة بالوضع الراهن .
1 - لم يحفل الأفغاني في مرحلة أولى بالعصبية القومية بسبب من انشداده إلى معركة أوسع هي معركة انجاز الوحدة الاسلامية كردّ على الخطر الاستعماري المهدد ل - « الممالك الاسلامية » . وقد يكون من المفهوم تماماً هذا الاعراض منه عن الاهتمام بالمسألة القومية فيما هومدفوع بالآمال العظيمة في إنهاء هذا الخطر على صعيد إسلامي أوسع ، تشترك أطرافه ومكوناته في وقوعها جميعاً في دائرته ( نقصد الخطر ) ، فأمام هذا الرهان ، كانت تبدو للافغاني الدعوات القومية دعوات تقسيمية وانفصالية ، ومن ثمة فهي بنتائجها تصبّ الماء في طاحونة الاستعمار ، وتسمح له بفكّ التعبئة الاسلامية من الداخل ، وبفتح جبهات من الصراع هامشية تتحول إلى موطئ قدم للسياسة الاستعمارية كما حصل في الهند وسجّله الأفغاني . والحق أنّ الأفغاني في دفاعه عن الجامعة الاسلامية كان يرسم لدعوته حيزاً متميزاً عما عداه .
إذ كان يضفي عليها طابعاً تحررياً معادياً للاستعمار « 1 » ، مما جعلها دعوى غير قابلة للتوظيف في معركة صراع مفتعلة مع الفكرة القومية . لا ، بل إنّ هذا المضمون التحرري لذلك الشعار هو ما سيشكل مقدمة للأفكار القومية اللاحقة للافغاني ، وما سيدفعه دفعاً في اتجاهها .
2 - إذا كانت ظرفية الضغط الاستعماري على العالم الاسلامي في أساس الموقف السلبي للأفغاني من الفكرة القومية ، فإنّ ثمة أسباباً فكرية ايضاً وراء ذلك الموقف ،
هامش
( 1 ) . أنظر محمد عمارة في تحقيقه لأعمال الأفغاني الكاملة ج 1 ص 66 . ولا يفوتنا هنا التنويه بهذا التحقيق وبسائر التحقيقات التي انجزها محمد عمارة لروّاد الفكر النهضوي ، وهوعمل جبار وضخم يشكر عليه صاحبه .