قراءته للتاريخ الاسلامي ولموقع العرب فيه . . . الخ . كان له عميق الأثر في إنضاج وعيه القومي ، وفي حسم تردّده تجاه المسالة القومية ، وهوتطور حصل تدريجياً - كما قلنا - لكنّه ظهر جلياً أواخر حياته ، وبالذات في كتابه القيّم « الخاطرات » . فههنا سنقف حقاً على أول مفهوم عربي للقومية يتخطى بها البعد العرقي ( الذي لا معنى له كما تفيدنا بذلك الانتروپولوجيا المعاصرة ) إلى البعد الثقافي - اللغوي ( « جامعة اللسان » ) « 1 » ، وسنقف بالتالي على مساهمة فكرية ريادية في تأسيس الاشكالية القومية في الفكر العربي الحديث ، بل انّنا نستطيع أن نحدّد مساهمته القومية قياساً إلى القوميين العرب في مطلع القرن الحالي ( بعد وفاته ) بدقّة قائلين - مع د . محمد عمارة - « 2 » بأنه إذا كان هؤلاء القوميون قد تميزوا برفضهم لسياسة التتريك التي نهجها العثمانيون في أواخر عهدهم مع تعاظم النزعة الطورانية ، وإذا كانوا قد طالبوا ب - « اللامركزية » في الحكم واستقلال التعليم في الولايات العربية ، فإنّ الأفغاني ذهب أبعد من ذلك ( وقبل ذلك ) إلى مطالبة الدولة العثمانية بالتعرّب ، بل وأفصح عن رغبته في تعريب تركيا كأمة ، وهو مالم تعلنه المطالب العربية بعده « 3 » والتي ظلّت في مواقع دفاعية ، بل وتحت تأثير الاغراءات الاستعمارية !
4 - وقد يكون ثمة اعتبار سياسي آخر - إلى جانب نضج وعيه القومي طبعاً - حدا به إلى التعبير الصريح عن موقفه القومي . ونحن نسوقه هنا على سبيل الاحتمال ،
هامش
( 1 ) . يقول الأفغاني - في الخاطرات - عن اللسان ودوره في قيام الأمم وحفظ كيانها : « إنّه من أكبر الجوامع التي تجمع الشتات ، وتنزل من الأمة منزلة أكبر المفاخر ، فكم رأينا من دول اغتصب ملكها الغير ، فحافظت على لسانها محكومة ، وترقّبت الفرص ، ونهضت بعد دهر فردّت ملكها ، وجمعت من ينطق بلسانها إليها ، والعامل في ذلك انّما هو اللسان قبل كل ما سواه ، ولو فقدوا لسانهم لفقدوا تاريخهم ونسوا مجدهم ، وظلّوا في الاستعباد ما شاءالله » .
( 2 ) . ج 1 ، ص 94 .
( 3 ) . يمكن ايراد هذه المقولة للجابري في حقّ الأفغاني دون التزامها حرفياً : « إنّ رائد السلفية هنا ( / الأفغاني ) يبدوأكثر تعصباً للعروبة من رائد القومية العربية ( الكواكبي ) الذي جابه سياسة التتريك » الخطاب العربي المعاصر . ص 70 . الاستفهام من عندي .