خلال الفترة الأخيرة من حياته . فمصر وحدها وقبل غيرها - حتى لا نقول دون غيرها - هي ضامنة الحلّ القومي العربي . . . ، ولحسن حظّ الأفغاني لم يجر التاريخ عكس ما اعتقد ، إذ لم تلبث مصر أن كانت المعقل الفعلي للدعوة القومية العربية وللنضال ضد بقايا الاستعمار وأحلافه الجديدة ، وحاملة لواء الدعوة الوحدوية ، رغم كل الأخطاء والخطايا والنكسات ، وحين نكست ، نكست معها أعلام العرب ليدخلوا جميعاً عصر الطوائف والكيانات القزمية الهشة ، والحروب الفئوية والحزبية الانتحارية .
ماذا يبقى من الأفغاني ؟
ليس يهمّنا - بالتأكيد - في هذا الباب ، أن نستعيد الأفغاني كمعرفة أو كإجابة نظرية على مسألة « الذاتية » ، إذ ثمة ما يفصلنا عنه على هذا الصعيد المعرفي الصرف . لكن هناك الكثير مما يصلنا به : رؤيته إلى الموضوع ، وطريقة طرحه له ، بل - وأساساً - الأسباب التي دعته إلى طرقه ، نعم ، لقد عاش الأفغاني في وضع قريب الملامح والمعطيات من وضعنا الراهن : التحدي الغربي والمطامع الأجنبية التداعي السياسي والتفتّت الكياني ، الانفسام الحادّ في جسم الجماعة ، انشطار النخبة الثقافية إلى نخبة حديثة علمانية ليبرالية ونخبة تقليدية محافظة ، بدايات الانقسام الطائفي والمذهبي في المشرق ، ملامح الصراع الأولي بين قومية عربية ورابطة اسلامية ، الصراع بين العلم والدين بين القديم والجديد . . . الخ . وبكلمة ، عاش الأفغاني فترة اهتزاز كل الثوابت والمبادئ والقواعد التي نظمت الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية ، العربية الاسلامية ، لفترة طويلة ، تحت تأثير الاختراق الغربي الشامل ، والتي أنتجت فضاءً عريضاً من الثنائيات .
عصر كهذا بتحدياته الضخمة ، لم يهرب من بين أصابع الأفغاني دون أن يدوّنه ، ويصوغ عليه الردود ، وكان أكبر هذه الردود على الاطلاق هو نداؤه للوحدة ومواجهة الاستعمار . وهو نداء كلّفه كثيراً من الجهد النظري - والعملي - حتى ينجح في انتاج تركيبة توليفية بين المتناقضات أحيانأ . والارتقاء - احياناً أخرى - بهذه « المتناقضات »
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي ) — صفحة 272
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٢٧٢