ومنها على الخصوص عدم نضج الوعي القومي للافغاني بدرجة كافية في المرحلة الأولى تلك . والمتصفح لأعمال الأفغاني يلاحظ تفاوتاً كبيراً بين مواقفه من القومية في مقالات « العروة الوثقى » وكتابه « الخاطرات » كما يسجّل ذلك - بحقّ - محمد عمارة في تحقيقه لاعمال الأفغاني « 1 » . ففي نصوص « العروة الوثقى » كان الرجل لا يزال موزّعاً بين موقف عدائي للقومية وبين اعتراف بها خجول وغير حاسم . وقد لا يصح تبرير هذه الحالة الفكرية - في « العروة الوثقى » - والتماس بعض العذر لصاحبها بالقول : « إنّ ورود أغلب هده الأفكار ، ومعظم هذه النصوص في ( العروة الوثقى ) يجعلنا لا نحسبها جميعاً على جمال الدين ، وخاصة إذا علمنا أنّه كان يدير سياسة الجريدة ، باسم تنظيم أممي تنشر قواعده من الهند إلى مصر ، متخطياً قوميات المسلمين « 2 » » . والتبرير هنا لا يصح ، ليس فقط لأنّ هذه النصوص موقّعة باسمه ، مما يجعله يتحمّل مسؤوليتها كاملة ، وليس فقط لأنّ عمله في « العروة الوثقى » مجلة وتنظيماً اختيار فكري طوعي وواعي ، وإنّما أيضاً لأنّ هذا التحفّظ في نسبة أفكار تلك النصوص إليه شخصياً ، قد يشرع الباب أمام صنوف أخرى من التحفظ قد تتعلّق بنصوص أخرى نحسبها كاملة على الأفغاني وعليه . لذلك نحجم عن الاطمئنان إلى هذا التبرير ، خالصين إلى القول بأنّ أنسب حكم في حقّ هذه النصوص هو الذي يرى فيها تلك النصوص الفكرية التي كان يصدر فيها الأفغاني عن خطاب إسلامي لما ينفتح بعد على البعد القومي لأسباب سياسية وفكرية .
3 - تأسيساً على ما سبق ، نستطيع القول : إنّ احتكاك الرجل التدريجي بالمسألة القومية ومعايشته وقائع النضال القومي لشعوب عديدة ( أشار هو نفسه إلى بعضها : ألمانيا ، إيطاليا ) ، وتعمّقه في فهم الظاهرة الاستعمارية وأهدافها الاقتصادية والسياسية ، وإعادة
هامش
( 1 ) . المصدر نفسه . ص 74 .
( 2 ) . المصدر نفسه . ص 74 .