إلى درجة من التركيب انصهارية لا تتعرّف فيها الأجزاء على ذاتها مستقلة وبمعزل عن الكل الذي يشدها إليه . تلك كانت حال مسألة « الذاتية » التي تجاوز فيها الأفغاني الأخذ بطرف من أطراف المعادلة دون الآخر . وتلك كانت حال الثنائية : علم ودين ، والثنائية : قديم وجديد ، التي وجدت جميعها في فكره حلًّا تركيبياً ( ولا نقول : توفيقياً تلفيقياً ) سمح لها بالتطور دون صدام أو تضاد علني .
رجل التسوية هو اذن . التسوية التي تضمن ( وقد ضمنت فعلًا ) شيئين اثنين :
أولهما : صهر جميع التناقضات - الزائف منها والصحيح - ذات الطابع الثانوي - بلغة السياسة - لمواجهة التحدي الاستعماري ، وكذا قطع الطريق على الاستعمار حتى لا يستفيد من تلك التناقضات أو يوظّف بعض أطراف الصراع لخدمة سياسته التقسيمية « 1 » .
وثانيهما : تمكين تلك المتناقضات من فرص تاريخية لاختبار مدى تعارضاتها ومدى إمكانية تعايشها دون صدام ، وفتح الطريق أمام تطورها السلمي ، إنّها بحق ، سياسة تتسع للحوار والاعتراف المتبادل ، وتنبذ الانكار والاستبداد ، وواحدية الوجود والرأي .
وليس غريباً البتة أن نكون في حاجة إلى الأفغاني ، لأننا أولًا ما نزال نعيش في عصره رغم مسافة القرن - الّا قليلًا - التي تفصلنا عن وفاته ، وما تزال الأوضاع متشابهة - وقد زادت سوءاً وكارثية - تهدد باطاحة هذه « المدنية » العربية المستوردة كالحليب المعقم . ولأننا ما نزال نعيش في اطار الاشكالية التي أرساها هو وجيله : اشكالية النهضة ، دون أن نتخطّ حدودها ، لكن كيف تكون في حاجة اليه ونحن نعيش عصره ونتحرك في دائرة إشكاليته ؟ إنّنا باختصار ، في حاجة إلى رؤية رحبة كرؤية الأفغاني تعيد بناء ما تصدّع ، وتسمح بشق طريق لتطور الفكر العربي والوعي العربي وتجاوز انقسامه الحادّ .
هامش
( 1 ) . عالجنا هذه المسألة في دراسة نشرت لنا في مجلة ( الوحدة » بعنوان : « في نشوء واخفاق الدعوة العلمانية في العالم العربي » . العدد 26 / 27 ، تشرين الثاني ( نوفمبر ) - كانون الأول ( ديسمبر ) 1986 .